تم استقبال عبد الفتاح البرهان في لندن اثناء تقديم العزاء بوفاة ملكة الانجليز باعتباره قائد الجيش السوداني ؛ كذلك الحال في نيويورك حين خاطب الجمعية العامة للامم المتحدة.

وكان الوحيد في السودان الذي احتج على ذلك هو نائبه حميدتي، الذي اعتبر ما حدث انتقاصا من الوضع الدستوري للسيد رئيس مجلس السيادة. وهذا يشير الي أن الجهات النافذة في المجتمع الدولي خاصة امريكا وبريطانيا، لاتعترف بالوضع القائم في السودان.

لكنها في ذات الوقت على استعداد للتعاون مع الجيش ومن يمثله في المعادلة السياسية، طالما انه مستعد للتعاون في مجال قوات حلف الناتو الافريقية التي قرها في الخرطوم، وتوصيل شحنات السلاح القادمة من تركيا عبر اذربيجان الي اوكرانيا، من خلال نشاطات شركة الراية الخضراء. في حين يتعامل بحذر مع حميدتي، رجل روسيا الذي يمد قلعة بوتين المالية بما تحتاجه من ذهب السودان، واحياء الاتفاق القديم للبشير مع موسكو بمنحها قاعدة عسكرية على ساحل البحر الاحمر.

وتلك خطوة لن تقف امريكا حيالها مكتوفة الأيدي، لان قاعدة (فلمنكو) سبق للحلفاء أن استخدموها ضد القوات الالمانية والايطالية في شرق افريقيا في الحرب العالمية الثانية، وبالتالي يعرفون اهميتها الاستراتيجية. فضلا عن كونها تقع بالقرب من مضيق باب المندب وتتصل عبر البحر الاحمر بقناة السويس، مما يجعلها تشرف على اكثر القنوات المائية اهمية في العالم، والتي يمر عبرها ٧٠٠ مليار دولار من التجارة العالمية، خاصة تجارة النفط.

كما انها تجعل، حال اتصالها مع قاعدة طرطوس في البحر الابيض المتوسط، كل الملاحة البحرية في المحيطين الهندي والاطلسي تحت رحمة الاسطول الروسي، بغواصاته الذرية التي تسمح الإتفاقية باستخدامها، بل واستخدام حتى المطارات المحيطة بالمنطقة .هذا فضلا عن امكانية تلقيها الدعم والاسناد من الاسطول الصيني الحليف، الموجود الي الجنوب منها في سواحل جيبوتي، مما يضع النفوذ الغربي كله في القارة السمراء في حصار محكم بين التنين الصيني في الجنوب والدب الروسي في الشمال .

وهكذا فان جنرالات الخرطوم ادخلوا البلاد بين فكي تمساح المصالح الدولية، ولا احد يظن انها ستخرج منه سالمة. وكل ذلك من اجل استدامة البقاء في السلطة باللعب على التناقضات العالمية. وهو اللعب الذي كان يمارسه البشير بمداعبة مشاعرالجميع، والان تمارسه لجنته الامنية، التي خلفته في الحكم  فتقاسمت الادوار فيما بينها على حساب السودان وشعبه وموارده ووضعه الجيوسياسي. فالبرهان رجل امريكا؛ وحميدتي صديق روسيا.

هذا في حين يظهر صراع مكتوم بين الرجلين، ربما يزداد تعقيدا اذا احتدم الصراع الدولي اكثر، ويسعى من خلاله القائدان لاستقطاب القوى المدنية السياسية عبر مبادرة قادها احد رجال الطرق الصوفية، لجمع الشمل مدعوما من البرهان وعناصر النظام السابق، بينما عارضها حميدتي وتحالف قوى الحرية والتغيير. وكان حميدتي قد صرح في وقت سابق بانهم في المكون العسكري فشلوا في ادارة الفترة الانتقالية، وانه لابد من عودة المدنيين للسلطة.

ثم اعلن لاحقا تأييده الوثيقة الدستورية، التي كانت قد اعدتها لجنة التسيير بنقابة المحامين، المحسوبة علي تحالف الحرية والتغيير. وليعلن اخيرا بانه قد توصل الى اتفاق مع البرهان يقضي بتسليم السلطة المدنيين، مما اربك المشهد السياسي وظنه المراقبون ايذانا بتعميد الحرية والتغيير حاضنة سياسية لسلطة تكنوقراط قادمة. لولا أن مستشار البرهان( بوهاجة) خرج على الاعلام واعلن الموقف القديم للمكون العسكري، مضيفا اليه وبلغة اثارت سخط الراي العام، ان السودان وشعبه وفترته الانتقالية أمانة في عنق البرهان، ولن يسلمها الا لحكومة متفق عليها او منتخبة.

 وبذلك وصلت الاوضاع داخل المنظومة الامنية الى حافة المواجهة. ولم يظهر على اثر ذلك حميدتي بالمطار لوداع البرهان المتجه الي لندن، وناب عنه الفريق شمس الدين كباشي عضو مجلس السيادة، والذي سرت شائعات بانه ليس على وفاق مع حميدتي .لكن اعلام مجلس السيادة قطع دابرها بان أظهر حميدتي في وداع البرهان  في رحلته الاخيرة الي امريكا.

الجنرالات في الخرطوم اختاروا القمع المفرط في التعامل مع قوى الثورة، ممثلة في لجان المقاومة والتنظيمات الثورية الاخرى. وهم يعتقدون أن دور القوى المدنية الاخرى ممثلة في تحالف الحرية والتغيير التي يغازلها حميدتي، او في فلول البشير الذين يمد لهم البرهان يد العون ويرعى فسادهم داخل جهاز الدولة، هو توفير الغطاء السياسي لحكم اللجنة الامنية والجيش والدعم السريع (حزب الله القادم بقوة في وسط افريقيا لا ينقصه سوى العقيدة الدينية )! لكن الضابطين كليهما يواجهان مأزقا وجوديا، وهما يتجهان الى العالم بانتظار الاعتراف قبل المساعدة.

لكن الغرب ومثله السعودية ومصر، رغم انهم يفضلون الجيش الا انهم لن يرضوا باي تقارب مع حركة الاخوان المسلمين، بينما البرهان لن يجد اي سند غيرهذه الحركة في الداخل. فيما تعتمد قوى الحرية والتغيير على دعم المبعوث الدولي ومجلس الأمن وممثلي البعثات الدبلوماسية في الخرطوم، وهو ما انعكس في حضورهم مناقشة الوثيقة الدستورية بنقابة المحامين، حيث هاجمتهم فلول النظام وهتفت  ضدهم وضد السيد فولكر بالتحديد. ولا اظنها ستمد يدها لحميدتي، وهو يتمتع بمساندة ودعم روسيا في هذا الوقت بالذات.  لذلك اعلن وجدي صالح ممثل التحالف بانهم يقفون الي جانب الجيش كما طالب ياسر عرمان بوحدة المكون العسكري .

وعلى كل حال سوف تلعب اللجنة الامنية على التناقضات المحلية والخارجية، الي حين اجراء الانتخابات التي ستاتي بحكومة مدنية، ترث الازمة التي يحتاج حلها الى اتفاق سياسي ؛ فيجد الجيش المسوغ السياسي والقانوني لانقلاب على السلطة طويل الامد كالعادة، ويفرض على الجميع حكومة الامر الواقع.

عرض مقالات: