جاءت نتيجة الانتخابات العامة الإيطالية، الأحد الفائت مطابقة للتوقعات: فاز تحالف الفاشيين الجدد واليمين المتطرف، وخسرت التحالفات الليبرالية والتقدمية واليسارية. ولأول مرة، منذ عام 1945، يتولى الفاشيون الجدد الحكم في دولة كبيرة في الاتحاد الأوروبي.

الامتناع عن التصويت

بعد سنوات من سياسات الليبرالية الجديدة، التي مارستها التحالفات الحاكمة من يمين الوسط ويسار الوسط، والتي أدت إلى الوضع الاجتماعي المأساوي الراهن، ونتيجة للتضاد والفوضى في تشكيل التحالفات الانتخابية المختلفة، من الواضح أن الكثير من الناخبين سئموا الواقع السياسي. ولا يتوقعون أي شيء من القوى المتنافسة. ولهذا شهدت إيطاليا انخفاضا غير مسبوق في المشاركة في التصويت، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، حيث بلغت نسبة المشاركين 63,74 في المائة، أي أقل من الثلثين.

تحالف الفاشيين الجدد واليمين المحافظ

فاز التحالف بقيادة حزب فراتيلي ديتاليا (إخوة إيطاليا)، الفاشي الجديد بزعامة جورجينا ميلوني، والذي يضم أيضا حزب رابطة الشمال الفاشي الجديد بزعامة ماتيو سالفيني، وحزب فورزا إيطاليا اليميني المحافظ بزعامة (سلفيو برلسكوني)، بأكثرية في مجلسي الشيوخ والنواب. وحصل التحالف على 44 في المائة من أصوات الناخبين. لقد أصبح فاشيو ميلوني الجدد قادة معسكر اليمين، بعد ان كانوا حتى الانتخابات الأخيرة حزبا صغيرا. لقد دفعوا حلفاءهم إلى الموقعين الثاني والثالث في إطار التحالف: اخوة إيطاليا 26، ورابطة الشمال 8,8 وحزب برلسكوني 8,1 في المائة.

وفق النظام الانتخابي الإيطالي تخصص 37 في المائة من المقاعد للفائزين الأوائل في الدوائر الانتخابية، في حين حدد تحالف اليمين مرشحا واحدا لكل دائرة، تنافس 4 مرشحين لتحالفات يسار الوسط في كل دائرة، بالإضافة إلى مرشح تحالف “الاتحاد الشعبي” اليساري، الذي يضم الحزب الشيوعي الإيطالي إعادة التأسيس وقوى يسارية أخرى. وبهذا ذهبت أغلب الدوائر لصالح تحالف اليمين.

تكتيكات لابد منها

عرفت زعيمة الفاشيين الجدد بأعجابها بموسوليني، وتبنيها قيم الفاشية التقليدية، ورفعها لشعار “الله الوطن العائلة”، وعدائها المكشوف للمهاجرين واللاجئين،. ولكنها وتجاوبا مع التوازنات التي لا تزال سائدة في الاتحاد الأوربي، اجرت تعديلا على خطابها السياسي ومطالبها، وحذت حذو زميلتها زعيمة اليمين المتطرف الفرنسي ماري لوبان، في الكف عن المطالبة بالخروج من الاتحاد الأوربي، والمطالبة فقط بمراجعة بعض وثائقه، مدفوعة بالأزمة الاقتصادية في إيطاليا وحاجتها للدعم الاتحاد الأوربي المالي.  ورئيسة الوزراء المقبلة لديها اختلافات مع أطراف تحالفها، وخصوصا مع بيرلسكوني بشأن الحرب في أوكرانيا، لكون الأخير من أصدقاء بوتين التقليديين، في حين تدعم ميلوني الرئيس الاوكراني، وتطالب بتشديد الحصار على روسيا. لقد استمر بيرلسكوني بتأكيد العلاقة مع بلدان الاتحاد الأوربي الكبيرة مثل المانيا، وحزبه عضو في كتلة أحزاب اليمين التقليدي في البرلمان الأوربي، التي اكدت من جديد ابتعادها رسميا عن التعامل مع قوى الفاشية الجديدة. لقد كان أحد عوامل فوز الفاشيين الجدد بهذه النسبة بقاء حزبهم في المعارضة لحكومة ماريو دراغي بعد انتخابات 2018، وبذلك كسبوا ود أوساط من الناخبين الناقمين على النظام السياسي.

هزيمة كارثية للحزب الديمقراطي

فجوة كبيرة فصلت الحزب الديمقراطي عن منافسيه، لا يزال الحزب الديمقراطي دون عتبة 20 في المائة، وهذه هزيمة كارثية. إلى جانب أن النظام الانتخابي يعاقب الخاسرين، وعليه لم يحصل تحالف الحزب الديمقراطي على أكثر من مقاعد 12 دائرة انتخابية مباشرة. لقد اثبتت استراتيجية الحزب بعد نهاية حكومة دراغي في 20 تموز الفائت فشلها، بسبب ولاء الحزب للأخير وانفصاله عن حليفه حركة خمس نجوم، بالإضافة إلى الدعم غير المشروط للناتو في أوكرانيا. وبقاء التغيير الاجتماعي المنصوص عليه في برنامج الحزب في حدود الخطابة والإعلان، والالتزام بتنفيذ سياسات دراغي الليبرالية الجديدة.

إن كارثة الحزب الديمقراطي تتعلق بمشروعه السياسي القائم على ادعاء زعامة اليسار التقليدي، والالتزام بسياسات وسطية تجنح دوما لليمين.

ارتياح في حركة 5 نجوم

سادت أجواء الارتياح أوساط حركة 5 نجوم، بعد ان كانت مهددة بالانزواء على خلفية انهيار حكومة دراعي وتفكك تحالفها مع الحزب الديمقراطي. تحتفل الحركة بما حصلت عليه 15,43 في المائة، وتقدمت على تحالف اليمين في مناطق الجنوب.

اختار ت الحركة، بقيادة رئيس الوزراء السابق جوزيبي كونتي، برنامجًا انتخابيا أكثر يسارية تضمن المطالبة بحد أدنى للأجور وتحول بيئي جذري وأموال أقل للأسلحة. وقد لقي ذلك ترحيباً خاصاً في أفقر مناطق جنوب البلاد.

أزمة اليسار الجذري مستمرة

جاءت حصيلة تحالف “الاتحاد الشعبي”، الذي يضم الحزب الشيوعي الإيطالي، وقوى وشخصيات يسارية مخيبة للآمال، حيث حصل التحالف على 1,43 في المائة، ولم يستطع الوصول إلى العتبة الانتخابية، وبالتالي يستمر غياب تمثيله في جناحي السلطة التشريعية. واعترف اوريتسيو أكيربو، السكرتير الوطني لحزب إعادة التأسيس الشيوعي بهزيمة التحالف، في سياق عرضه للأسباب الفنية والسياسية التي أدت لهذه النتيجة: “على الرغم من الحرب وارتفاع تكاليف المعيشة والفشل الواضح للسياسات الليبرالية الجديدة وعدم شعبية أجندة حكومة دراغي، لم نتمكن من أن نصبح نقطة مرجعية للبديل. ومن الواضح أن القيام بالشيء الصحيح لم يكن كافياً، كنا نعلم أنه نظرًا لتوازن القوى في المجتمع ووسائل الإعلام، كانت هذه مهمة صعبة للغاية. ولم يسمح لنا الوقت القصير لحملة انتخابية سريعة جدًا بتطوير مشروع التحالف”.

من الواضح ان قوى اليسار الجذري لم تستطع منذ تفكك الحزب الشيوعي الإيطالي الأم من الخروج من أزمتها وصراعاتها الأيدولوجية طيلة أكثر من 30 عاما، شهدت تحولات اجتماعية وسياسية عميقة في البلاد، وفي أجيال الناخبين الذين تفصلهم عقود عن سنوات الصعود الشيوعي وامجاده الانتخابية.

عرض مقالات: