جميل جدا ان نستلهم الدروس والعبر من التجارب الاممية في سعي الشعوب لنيلها تحقيق الاشتراكية في مجتمعاتها، إن مقال الـ”صفحة وجهات في النظر “ ضمن - عدد 41 ليوم الاثنين 3 / كانون الثاني/ 2022 – الغراء،  كان دقيقا في تناوله الحدث التاريخي وتسلسله، كما كان دقيقا في تحديد الصراع الدولي بين القوى الرأسمالية العالمية والاتحاد السوفيتي، للمدة التي كان فيها الاتحاد السوفيتي دولة تتخذ من الاشتراكية منهاجا ومفاهيما تسعى  من خلالها إلى بناء مجتمع اشتراكي في الاتحاد السوفيتي ودول المعسكر الاشتراكي، فلم يتحقق ذاك السعي حيث انتهت السعبين سنة بانهيار الدولة، وظل الشعب يتمنى أن تكون تلك الدولة موجودة اليوم لتحقق فرص العمل الحكومية والتعليم المجاني و..، و..، و..، و......

إلا أن الإشارة الموضوعية والضرورية إلى بعض الامور الفلسفية الماركسية، مهمة لا تحتمل السكوت عنها كثيرا، حيث لم تكن هناك عبارة “ تجربة اشتراكية غير مكتملة أو غير كاملة” وكأن تجربة الاتحاد السوفيتي كانت تجربة اشتراكية كاملة بكل المقاييس العلمية الفلسفية للماركسية! أو انها كانت تطبيقا كامل الأوصاف لما كتبه ماركس وانجلز!، ومن هذه الامور الفلسفية ما يأتي:

1- ذكر لينين في أكثر من موقف وخطاب ألقاها وكتابٍ ألّفه : أن دولة الاتحاد السوفيتي -الحديثة حينها - تسعى إلى بناء مجتمع اشتراكي على الرغم من وجود دولة تحمل مفاهيم الاشتراكية العلمية، لأن السبب الحقيقي والجوهري في هذه المقولة الخالدة فلسفيا، أن مجتمع روسيا القيصرية والمجتمعات التي صارت تابعة للاتحاد السوفيتي بعد ثورة اكتوبر1917، جميعها كانت مجتمعات زراعية خاضعة للإقطاعيات القيصرية ونظام حكمها الامبراطوري، وهي السمة الاقتصادية الغالبة للاقتصاد الروسي القيصري، مع صناعة متخلفة اذا ما قُورنت بمجتمع المانيا المتطور صناعيا وبريطانيا كذلك، وحتى فرنسا كانت اكثر تطورا صناعيا من روسيا القيصرية،

لينين كان يدرك تماما أن الاشتراكية يجب أن تنبع من المجتمع الصناعي بالضرورة والحتمية الاقتصادية السياسية كما كتب ماركس وانجلز، لكن  الذي حدث أن السبب السياسي في انتفاضة اكتوبر 1917 وتحويلها إلى ثورة اكتوبر 1917 اطاحت بالحكم الامبراطوري القيصري والمجتمع بهذه السمة الاقتصادية أنفة الذكر المتخلفة عن المفاهيم الاشتراكية، بمعنى أن  نسبة الفلاحين كانت أكثر من العمال في بداية تأسيس الاتحاد السوفيتي سنة 1917 إذ كانت نسبة الفلاحين في المجتمع بحدود 75 بالمائة من المجتمع والعمال بحدود 15بالمائة، أما نسبة10بالمائة تقريبا المتبقية فكانت موظفين مدنيين وعسكريين واقطاعيين وملاك أراضي وهم من مخلفات النظام القيصري، كما لم تكن نسبة المتعلمين في ذاك الوقت كبيرة والأمية منتشرة بكثافة والجهل أكثر، في حين ماركس يشير إلى المجتمع المتطور اقتصاديا وعلميا وتعليمه متطور في مرحلة الرأسمالية لكي يحقق هذا المجتمع اشتراكيته .

نلحظ هنا معاناة لينين والقادة البلاشفة في دولة السوفييت وهم يحاولون بناء مجتمع اشتراكي من خلال تدخل الدولة، وهي كانت محاولة أولى لبناء مجتمع اشتراكي من خلال الدولة وسطوة مؤسساتها دامت سبعين سنة ثم لم تحقق ذاك المجتمع الاشتراكي الذي كان القادة السوفييت يطمحون في تحقيقيه وهي تجربة تخص دولة ومجتمع الاتحاد السوفيتي وظروفه الخاصة اقتصاديا وسياسيا وتأثيرهما على سلوك وثقافة الأفراد في مجتمعهم ذاك ووقتهم ذاك، بينما نلحظ تجربة الصين الشعبية اليوم وهي لم تحقق بعد مجتمعا اشتراكيا أيضا، وكذلك كوبا لم تحقق مجتمعا اشتراكيا، وهي مازالت تجارب مثلهما مثل غيرهما تسعى لتحقيق المجتمع الاشتراكي. أما ظروف الاتحاد السوفيتي الصعبة فكانت حروبا شنتها الرأسمالية على الاتحاد السوفيتي منذ اول لحظة لتأسيسه سنة 1917 حتى الانهيار سنة 1991، حروب رأسمالية من اجل فصل اوكرانيا عن الاتحاد السوفيتي ومحاولات احتلال جزيرة القرم في سنوات 1918 – 1922، وكذلك محاولات تدخل قوى الرأسمال العالمي بتحريك الداخل السوفيتي وبمساعدة من الخارج قبل الحرب العالمية الثانية، ثم صارت الحرب العالمية الثانية، وثم الحرب الباردة المعلنة، هذا عدا حرب الجواسيس في محاولة تخريب بناء الاقتصاد الاتحاد السوفيتي. في هذه الظروف وغيرها كيف يتم نقل المجتمع من الزراعي الاقطاعي إلى الصناعي المتطور لكي يكون المجتمع عماليا ويحقق المجتمع الاشتراكي؟؟؟!! كانت من العجائب ان يستمر الاتحاد السوفيتي سبعين سنة، بل من الانبهار ان الاتحاد السوفيتي حقق قفزة علمية في مستوى التحصيل العلمي وهي منشغل في البناء الكامل للدولة والمجتمع، علما ان الاتحاد السوفيتي لم يسعَ لحرب دولة ما.

ثم نعود إلى لينين ورأيه من خلال سؤال أحد الصحفيين له حيث يقول السؤال: لو قدر لك ان تنقل دولة الاتحاد السوفيتي إلى بلد آخر؟ فأي بلد تختار لها؟؟ فأجابه لينين: أنقلها إلى المانيا لأنها متطورة صناعيا.

 وهنا نلحظ عمق مقولة لينين عن نباء مجتمع اشتراكي: (سنسعى إلى بناء مجتمع اشتراكي ولو حفرنا في الصخر بأظفارنا وأسنانا).

2- أن الإعلام الرأسمالي يحاول جاهدا في كل مرة أن يوصل معلومة زائفة إلى المتلقي، وهي ان مفهوم الاشتراكية خطأ كبيرا وهذا من خلال تصويره أن تجربة الاتحاد السوفيتي كانت تجربة اشتراكية كاملة فانهارت الدولة بسببها وأنها نهاية المطاف للاشتراكية !!، وهذ زيف وكذب فلم تكن تجربة الاتحاد السوفيتي إلا تجربة أولى في هذه الطريق الطويلة من حياة البشرية، بل وكانت تجربة اشتراكية غير مكتملة، ثم لماذا لا يذكر ذلك الإعلام الرأسمالي حروب الرأسمالية على دول لم تحاربه ولم تجاوره ولم تأخذ منه شئيا؟!! لماذا لا تذكر قيادة الرأسمالية العالمية اليوم فشلها العسكري في محاولة غزوها فيتنام مثلا من القرن الماضي، ومثلا لماذا حصارها مستمر على كوبا منذ عقود إلى اليوم؟؟!! ولماذا تحاول مرارا قلب نظام الحكم في فنزويلا اليوم من خلال التدخل في شؤون فنزويلا الداخلية عبر الجواسيس والعملاء؟؟!!!، نعم، كذلك كانت الحال في حروب الرأسمالية على الاتحاد السوفيتي من اول لحظة.

لذا تذكر هذه السطور هنا بموضوعية ومودة أن “تجربة الاشتراكية هي في الاتحاد السوفيتي تجربة غير متكاملة “، وليست الانموذج الكامل للاشتراكية للأسباب التي ذكرها لينين فيما تقدم وفي كتبه.

عرض مقالات: