يعلم الجميع أن أول محكمة دستورية أسست للرقابة على دستورية القوانين  هي المحكمة الامريكية العليا في الولايات المتحدة الامريكية، وقد ثارت مخاوف في حينها من أنها ستكون أعلى من السلطات وتكون هي المشرع فحاولت تخفيف هذه المخاوف في وضع ضوابط لرقابتها من انها تفترض أن القانون صحيح حتى يثبت العكس، وانها لن تراقب بواعث التشريع وملائمته، غير أنها لم تلتزم بهذه الضوابط في الواقع فأخذت تراقب السياسية التشريعية وتبحث عن الفكرة المهيمنة على الدستور وتفحص وضوح القوانين، فظهر الحديث في الولايات المتحدة الامريكية آنذاك عن حكومة القضاة ودعا الرئيس الامريكي في حينها إلى حماية الدستور من المحكمة  !

وأن المحكمة يجب ان تعمل في ظل الدستور لا فوقه.

فرد رئيس المحكمة العليا بأن نحن نعيش في ظل الدستور، ولكن الدستور هو ما نقوله نحن كذلك [1].

وأرى الآن في العراق يحصل ما يشبه ذلك خاصة بعد صدور قرار المحكمة الاتحادية العليا يوم امس الذي قررت بأن حكومة الكاظمي حكومة تصريف أمور يومية وليس من حقها تشريع القوانين، مما واجه ذلك بعض القيادات السياسية والمسؤولين بعدم الارتياح من ذلك حتى راح البعض يتحدث بلغة الاتهام والتخوين تجاه المحكمة الاتحادية ووصفها بما لا يليق به كشخصية سياسية تسنمت مناصب عليا فيما سبق، واذا كان الرئيس الامريكي اعتبر أن قرارات المحكمة الدستورية العليا افضت إلى وجود “ حكومة القضاة “ في الولايات المتحدة الامريكية آنذاك، فأنا ارحب كثيرا بوجود مثل هذه الحكومة في العراق في ظل حكومة جاءت بظروف غير طبيعية ودفعت الصدفة والاتفاقات السياسية والتدخلات الخارجية بكثير من شخوصها لواجهة القرار، فأن الاحتكام لمحكمة مشكلة من قضاة شهدت لهم سوح المحاكم بالعلمية والوطنية والشجاعة أفضل، بل هو الحل الوحيد للوضع العراقي في ظل هذا الانقسام السياسي المحير، وبالتالي فأن المحكمة الاتحادية العليا بتشكيلتها الجديدة أثبتت وفي أكثر قرارتها بأنها تملك من الوطنية والشجاعة والعلمية الشيء الكثير، وبالتالي تستحق من المثقفين والمتابعين والشخصيات الوطنية الدعم لا السكوت او المواقف المناهضة فالقضاء حارس القانون وملجأ الجميع والمؤسسة التي لا زالت تحافظ على كثير من مهنيتها ورصانتها وشجاعتها واهلا ومرحبا بحكومة القضاة في العراق بلد التشريعات الاولى ومعلم الانسانية كتابة القوانين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*[1] / يراجع بحث “ حدود السلطة التقديرية للمشرع في العراق “ للدكتور ماهر صالح والمنشور في مجلة حمورابي / العدد الثاني للسنة الثانية ٢٠٢١ ص ١٦٥ وما بعدها.