على مشهد من كل العالم وبأعلى درجات الشفافية ولأول مرة على الهواء أعلنت المحكمة العليا تأييدها للحكم الصادر بحق رئيسة جمهورية كوريا الجنوبية بإيداعها السجن لمدة 20 عاما، وتغريمها مبلغا قدره 17 مليون دولار، دون ان يأخذ القضاة بنظر الاعتبار درجة المتهم الوظيفية أو منزلته الاجتماعية او كونها رئيسة منتخبة، وانما مثل أمامهم الجرم المشهود ووقع هذا الجرم على مستقبل الدولة او حياة المواطن، وكان الحكم بمثابة الوعيد لكل من تسول له نفسه ومهما بلغت درجته أن يستغل وظيفته أو مواطنته من أجل العبث بالقانون العام أو النظام العام أو المال العام. ولو عاد أي منا إلى احداثيات القضية لوجد أن الرئيسة المنتخبة شعبيا بارك غيون هاي استغلت منصبها الرئاسي واستغلت نفوذا الرسمي لإجبار شركات عملاقة ذات وزن صناعي وتجاري مهم مثل مجموعة شركات سامسونغ او سلسلة تجارة التجزئة المتمثلة بشركة لولي، على إبرام صفقات ضخمة مع مؤسسات تديرها صديقتها المقربة منها جدا، شوي سون سيل، وإجبار هذه الشركات وغيرها من الشركات أيضا على منح التبرعات والهدايا لهذه الصديقة الشريكة لها من الباطن، كما وأدانتها المحكمة بتهمة تسريب معلومات رئاسية الى هذه الصديقة مما يتعارض مع احكام قانون أسرار الوظيفة الحكومية أو الوظائف العامة، والمعروف أن الرئيسة تعرضت لانتقادات شديدة وخرجت المظاهرات الشعبية مطالبة بتنحيتها ومحاكمتها ، وتم إلقاء القبض عليها عام 2017 ، كما وتم حبس صديقتها لمدة 18 عاما على خلفية قضايا تتعلق بالرشوة الاختلاس بالتنسيق مع الرئيسة .

ان الذي يهمنا من كل هذه القضية التدرج الإجرائي الذي سارت عليه قضية استغلال الرئيسة لمنصبها والخطوات المتبعة بعد ان وجدت الاحتجاجات الشعبية المستمرة صداها لدى المدعي العام الكوري الذي حرك القضية والرئيسة في منصبها باتجاه الاستقصاء والتحري وبعدها أعلن موفقه بعد زوال الشكوك لديه وصرح بوجود حالة فساد لدى الرئيسة مما دفع بالبرلمان لرفع الحصانة عنها وجعلها سافرة أمام الشعب لتتولى الشرطة إلقاء القبض عليها وإيداعها زنزانة الحجز تمهيدا لعرضها أمام المحكمة المختصة، لقد كانت كل تلك الإجراءات وكنت متابعا لها تسير دون خجل من السلطات الكورية وكان برلمان هذه الدولة عند حسن ظن المتظاهرين، وكان المدعي العام عند قواعد وظيفته، وكل منهم أداها بأمانة وكانت النتيجة معاقبة أعلى شخص في الدولة، والسؤال متى يصحى المدعي العام عندنا على زمانه وعلى فساد في العراق يفوق ما في كوريا بآلاف الدرجات، لم يخجل البرلمان الكوري من الرئيسة بل خجل من المتظاهرين، ولم يخاف المدعي العام لأنه محمي بالقوانين لا بالكتل ولا بالأحزاب ولا بالعشيرة، ولم تخاف الشرطة من حماية المسؤول الفاسد بل جاءت الى الرئيسة واعتقلتها امام الصحفيين ووسائل الاعلام، وأخيرا لم تخش المحكمة لوم الرئيسة وحزبها، بل أعلنت على الهواء انها مجرمة بحق الشعب الذي انتخبها، وأنها مسؤولة أكثر من أي شخص آخر لأنها تمثل قمة الدولة ونياشينها وسيادتها. هكذا هو الرأي العام في العالم وهكذا هو المدعي العام وهكذا هو القانون العام وهكذا يعاقب الجرم الحرام، متى نأخذ نحن في العراق بكل هذه الإجراءات وتلك الأحكام..