عظمة العراق التاريخية وعبقريته الحضارية تكمن في موقعه الإستراتيجي في وسط منطقة الشرق الأوسط. ظل العراق طيلة تاريخه سهلاً خصيباً مفتوحاً ووطناً لإستقبال وتمازج لشعوب المنطقة. هذا الدور المركزي والإستقبالي هو الذي منح العراق هذه القدرة العجيبة على الإنفتاح والإبداع الحضاري.

تاريخ العراق فيه الكثير من العنف والخراب، بسبب سهوله الخصبة ونهريه الوفيرين وموقعه الجغرافي وإحاطته ببلدان جبلية وصحراوية، مما جعله يتعرض دائماً للإجتياحات والإحتلالات وعمليات التخريب، بالإضافة إلى غدر النهرين والفيضانات المدمرة. هذه العوامل جعلت العراق موطناً لأولى وأغنى الحضارات الإنسانية، حيث الخصب الروحي والإبداع الجمالي والعلمي. وهو أكثر بلدان الأرض في إحتوائه على عواصم ومدن حضارية خالدة، قدمت للبشرية أعظم الإنجازات: أور وبابل ونينوى والمدائن والكوفة والبصرة وبغداد.

دخل العراق في الإمبراطورية العثمانية عام 1534م، وإستمر حكم الأتراك على العراق حوالي أربعة قرون حتى نشوب الحرب العالمية الأولى. لقد أعتبر العراق من المقاطعات العثمانية النائية بعد أن إنتقل مركز العالم الإسلامي إلى إسطنبول حيث كان مقر خليفة المسلمين، وكانت الإمبراطورية العثمانية وبضمنها العراق تدار بواسطة الولاة الذين كانوا يديرون الولايات المختلفة التي يعينون لها بأمر من الحكومة المركزية في إسطنبول. وبصورة عامة كانت الإمبراطورية العثمانية تسير في طريق الإنحلال، ولم تكن إدارتها ناجحة فقد كان الجهل والفقر والأمراض متفشية بشكل كبير.

لم يكن الشعب العراقي راضياً عن سلطة الإحتلال العثماني، رغم محاولة الحكام العثمانيين تغليف حكمهم بإطار الدين الإسلامي. كان يسعى للتخلص من ذلك الطوق البشع، ظهرت عدة حركات وطنية ترمي إلى التحرر من رق وسيطرة الإحتلال التركي. ومحاولة إقامة حكم وطني متحرر من سلطة وهيمنة الأتراك. فقد قامت العديد من الإنتفاضات في الأرياف والمدن ضد الأتراك، أشهرها ثورة بغداد في 13 حزيران 1831م، وأعقبتها إنتفاضة المفتي جميل زادة جدّ أُسرة آل جميل في عهد علي رضا باشا بتاريخ 28 أيار 1832، كما قامت عدة إنتفاضات بقيادة شيوخ العشائر ذوي النزعة الوطنية التحررية، سواء في المنطقة العربية أو الكردية، ولكن الحكومة العثمانية كانت تلجأ إلى أقسى درجات العنف لقمع تلك الإنتفاضات، وتنفذ سلسلة من الإعدامات بحق الناشطين من الوطنيين.

حدثنا التاريخ عن الكثير من الإنتفاضات، ولكنها كانت تحصد الفشل والإنكسار ومنها ثورة 1920 ضد الإحتلال البريطاني للعراق، لأسباب كثيرة أهمها عدم وجود قيادة موحدة منظمة للإنتفاضة، كان قادتها من القوى الفلاحية والعشائرية ورجال الدين. هذه القيادات بعيدة عن الطبقة البرجوازية التي إستطاعت أن تعي ذاتها وتنتج فكرها في الزمان والمكان المناسبين لتحرز الإنتصارات الكبرى في التاريخ. لم تكن في العراق طبقة برجوازية في المجتمع بالمعنى الواضح لأن قرون التخلف التي سيطرت عليه لم تسمح له بإنتاج طبقة صناعية حرفية مستقلة عن إرادة الدولة العثمانية كما حال الطبقة البرجوازية في أوروبا.

لقد وجدت الشعوب التي كانت تستظل بالراية العثمانية، بعد سقوط تلك الراية، إنها مقسمة تقسيماً جغرافياً وسياسياً وسكانياً، يعكس مصالح الدول الإستعمارية الغربية المنتصرة في الحرب العالمية الأولى دون أخذ رأي تلك الشعوب أو مصلحتها في ذلك التقسيم. هكذا جاءت الخارطة السياسية للمنطقة العربية مشوهة تحمل ألغاماً تتفجر بين حين وآخر. وفي هذا السياق جاء قرار حرمان الأكراد، على سبيل المثال، من حق تقرير المصير وفرض تجزئة الوجود الكردي بين تركيا وإيران والعراق وسوريا. وبذلك عانى العرب والكرد والقوميات الأُخرى من تسلط الغرب الإستعماري ووعوده. لقد وجد عرب العراق وأكراده والأقليات الأُخرى أنفسهم يتشاركون وطناً واحداً اسمه العراق، ويعيشون قضية واحدة هي التخلص من الإنتداب البريطاني الذي تحول إلى معاهدات تربط العراق بالهيمنة الإستعمارية البريطانية.

أصدر الجنرال “مود” بلاغاً رسمياً عندما إحتل الجيش البريطاني بغداد، مؤكداً بإن الجيش جاء إلى العراق منقذاً محرراً لا فاتحاً مستعبداً. وأعقب نشرهذا البلاغ صدور بلاغات رسمية خطيرة من سلطات الحلفاء أهمها: التصريح الفرنسي- البريطاني الصادر في 7 تشرين الثاني 1918، الذي جاء فيه: “إن الحكومتين الفرنسية والبريطانية اتفقتا على تأسيس حكومات وطنية للشعوب المحررة التي هضم الترك حقوقها”. لقد خدعت هذه الوعود الساسة والمفكرين لا في العراق حسب، وإنما أقطاب السياسة عامة في جميع البلدان العربية التي إنسلخت من الإمبراطورية العثمانية.

وبينما كان العراقيون ينتظرون تحقيق هذه الوعود وإذا بمفاجأة قرار مؤتمر الحلفاء في “سان ريمو” بتاريخ 25 نيسان 1920، الذي يقضي بوضع العراق وفلسطين تحت الإنتداب البريطاني، وسوريا ولبنان تحت الإنتداب الفرنسي. كان القرار ضربة صادمة ونقضاً صريحاً للوعود والعهود. وعلى أثر ذلك تضافرت جهود العراقيين على المطالبة بحقوقهم المشروعة. عقدوا الإجتماعات السرية والعلنية في بغداد والنجف والموصل وغيرها من المدن العراقية. وسرعان ما تطورت هذه المطالب إلى ثورة مسلحة، كانت الحدث التاريخي الأبرز الذي سمي بثورة العشرين، التي مرت في مسيرتها بثلاث مراحل: أولاها تتمثل في الأحداث التي مهدت للثورة وهي الأحداث التي جرت في بغداد وكربلاء ودير الزور وتلعفر والموصل. والثانية تتمثل في الثورة المسلحة التي إنطلقت من الرميثة يوم 30 حزيران 1920. أما الثالثة فتتمثل في إنتشار الثورة في مناطق العراق الأخرى.

لم يسع الحكومة البريطانية، إزاء هذه الحالة، إلا أن إستبدلت حاكمها العام في العراق “سيراي. تي. ولسن”، المعروف بالشدة والغلظة، بشخصية “برسي كوكس”، الذي لديه معرفة وإلماماً بشؤون العراق. وصل إلى بغداد بتاريخ 11 تشرين الأول 1920، وأخذ على عاتقه إطفاء نار الثورة، وتأليف حكومة مؤقته برئاسة نقيب بغداد “عبدالرحمن الكيلاني”، بتاريخ 25 تشرين الأول 1920. جعلها تحت امرته وهيمنته. وأخذ يدرس مختلف الأساليب لمعرفة الحكم الذي يجدر ببريطانيا أن تقيمه في العراق.

تم دراسة قضية العراق في مؤتمر القاهرة الذي عُقد بتاريخ 12 آذار 1921، برئاسة وزير المستعمرات البريطانية “ولسن تشرشل”. وتقررأن تؤلف فيه حكومة عربية برئاسة الأمير “فيصل”، تكون تحت الإنتداب البريطاني. وقررت الحكومة المؤقته في جلستها المنعقدة بتاريخ 11 تموز 1921، المناداة بالأمير “فيصل بن الحسين” ملكاً على العراق. وبعد إجراء التصويت علناً بين 15-22 تموز، اسفرت النتيجة عن أكثرية ساحقة ممثلة في 97% من العراقيين الذين بايعوا فيصلاً وإرتضوه ملكاً لهم. وتم إقامة حفل التتويج يوم 23 آب 1921، ألقى فيه الملك فيصل خطاباً مليئاً بالوعود. وعلى أثر إرتقاء الملك فيصل عرش العراق، إنسحبت الحكومة المؤقته، وحلت محلها وزارة جديدة برئاسة عبدالرحمن النقيب. وبقيت الصلات بين العراق وبريطانيا تسير سيراً متبايناً، تتحسن تارة وتسوء تارة. وكان الحكم خلال ذلك وطنياً بالظاهر، بريطانياً بالواقع، حتى دخل العراق عضواً في عصبة الأمم بتاريخ 3 تشرين الأول 1932، حيث إرتقت العلاقة إلى المستوى الدبلوماسي بين الطرفين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* أكاديمي عراقي مقيم في بريطانيا

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراجع:

- سليم مطر: العراق، سبعة آلاف عام من الحياة، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط1، بيروت 2013.

-  نديم، شكري محمود: حرب العراق 1914-1918، شركة النبراس للنشر والتوزيع، ط4، بغداد 1954.

- د. عبدالحسين شندل: نظام الحكم في العراق وفق دساتيره الحديثة، المكتبة القانونية، بغداد.

- عبدالسلام متعب عيدان: النظام السياسي في العراق بين المحاصصة والطائفية منذ عام 1921-2003.

- د. علي الوردي: لمحات إجتماعية من تاريخ العراق الحديث، ج4، ج5، ج6، دار كوفان للنشر، لندن 1992.