في الثلاثاء، الأول تشرين أول/اكتوبر 2019 انطلقت في المحافظات الوسطى والجنوبية تظاهرات كانت الغالبية فيها شباب، فاجأت السلطة والشعب والمحللين السياسيين الذين كانوا على يقين بأن الأحباط اوصل العراقيين الى الياس والعجز من اصلاح الحال.وأكدت الأحداث ان هذا الحراك كان عفويا،  واعتبر سابقةً لم تحدث في تاريخ العراق السياسي.. من حيث زخمه وحجمه وما احدثه من رعب في السلطة.

وبحسب الآرقام الرسمية لوزارة الداخلية في 6 تشرين فان عدد الشهداء بلغ 110 وتجاوز عدد المصابين 6100 جريحا حتى الرابع عشر من تشرين اول. وكان يوم الخميس (الثالث من تشرين اول) هو الأكثر دموية في مواجهات عنيفة غير مسبوقة بين المحتجين والقوات الامنية استدعى الحكومة الى اعلان الانذار جيم ،وفرض حظر للتجول في عدد من المدن، وإغلاق الطرق المؤدية من الشمال والشمال الشرقي إلى العاصمة،وقيام القوى الامنية وقوات مكافحة الشغب باستخدام الماء الحار والغاز المسيل للدموع والرصاص الحي..كان نتيجته سقوط (63) شهيداً في بغداد و(21) في ذي قار تليهما: الديوانية، النجف، كربلاء، وديالى.. باستثناء البصرة التي لم تحدث فيها اصابات.

وفي مساء الخميس (الثالث من تشرين أول)، توجّه رئيس الوزراء العراقي السيد عادل عبد المهدي، بخطاب متلفز بُثّ على وقع أصوات الطلقات الناريّة التي يُسمع دويّها في أنحاء بغداد، دافع فيه عن إنجازات حكومته وإدارته للأزمة الحاليّة، مطالبًا بمنحه فترة زمنيّة لتفيذ برنامجه، ووصف ما يجري بأنه (تدمير للدولة).

وسعى المحتجّون في بغداد للتوجّه إلى ساحة التحرير التي يفصلها عن المنطقة الخضراء جسر الجمهوريّة حيث ضربت القوّات الأمنيّة طوقاً مشدّداً عليه. ومع ان الحكومة اعلنت حظر التجوال وقطع خدمات الأنترنت فان المتظاهرين وصلوا العاصمة بغداد على متن شاحنات حاملين اعلاما عراقية واخرى دينية معظمها يحمل اسم الامام (الحسين) ويهتفون (بالروح بالدم نفديك ياعراق).

  كان استخدام السلطة القمع المفرط ضد المتظاهرين، ونزول قوات سوات والمليشيات ووجود القناصين على سطوح العمارات قد ادى الى القضاء على التظاهرات .وفي خطبة الجمعة (11 تشرين اول)، حمّلت المرجعية الدينية على لسان الشيخ عبد المهدي الكربلائي، الحكومة العراقية مسؤولية اراقة الدماء ،وامهلتها مدة اسبوعين لكشف الجناة ومحاسبتهم. ومع ان خطابها هذا يعد الأول من حيث تضمينه تهديدا للحكومة وأحزاب السلطة،فان الرأي العام العراقي، عن طريق استطلاع اجريناه في حينه، توزع مفهومه بين وعود على المرجعية ان تحققها، وبين من وصف الخطاب بانه تخدير،اومحاولة لأنقاذ موقعها بين الناس، وبين من رأى ان دعوتها هذه سوف لن تجد استجابة عملية من الذين يعنيهم الأمر.

المفهوم الديمقراطي لثقافة التظاهر وسلوك الاحتجاج

يعدّ التظاهر سلوكا حضاريا سلميا يمارسه مواطنو البلدان الديمقراطية.. يحصل حين تخرج الحكومة او السلطات عن القانون او تتلكأ في تنفيذ فقراته، ليردعها ويجبرها على الالتزام بالقانون والدستور. ذلك ما يراه الخبراء السياسيون فيما يفضل علماء النفس والاجتماع السياسي مصطلح (الاحتجاج الجمعي) ويصنفونه الى نوعين: (تمرّد غوغائي) لمحرومين يصفونهم بـ (رعاع او حثالة) يقعون في اسفل الهرم الاقتصادي للمجتمع، واحتجاج سياسي لأفراد من طبقات وفئات اجتماعية متنوعة تشعر بالمظلومية وعدم العدالة الاجتماعية.

وحديثا توصل العلماء المعنيون بدراسة سلوك الاحتجاج السياسي في الصين ودول اخرى الى ان السبب الرئيس لقيام الناس بالتظاهر ناجم عن الشعور بالحيف والحرمان والمظلومية وهدر لكرامة الانسان والآحساس باللامعنى والاغتراب، والشعور باليأس من اصلاح حال كانوا قد طالبوا بتغييره نحو الأفضل وما استجابت الجهة المسؤولة لمطالبهم. ونضيف بأن سلوك الاحتجاج بوصفه ناجم عن مظالم اجتماعية وعدم عدالة اقتصادية يؤدي الى قهر وضغوط نفسية تتجاوز حدود القدرة على تحمّلها.

وللتذكير، فان العراقيين من عشر سنوات كانوا يتظاهرون، من يوم ارسلت (الخضراء) أحد (مناضليها) ليعطي الاوامر من على سطح العمارة المطلة على ساحة التحرير بقمع المتظاهرين في شباط 2011 .

وللأسف فان القوى الأمنية من ذلك الحدث، كانت معبأة  بثقافة الأنظمة المستبدة.ومع انه لا يراد منها ان تتضامن مع محتجين مستلبين مطحونين في فعل سلمي يتظاهرون من اجل احقاق حق يخص شعبا ووطنا.. فان ما قامت به من تصرفات في (17 و20 تشرين الثاني 2015) بالاعتداء على المتظاهرين بالضرب والكلام البذيء واعتقال اكثر من 25 منهم ما اساءوا الى احد،والطلب منهم التوقيع على تعهد بعدم المشاركة في التظاهرات، وما تعرض له اھالي قضاء المدينة في محافظة البصرة في اثناء قيامهم بداية تموز (2018) بتظاھرة سلمية مجازة رسميا،وقيام قوات الامن بالتصدي العنيف للمتظاھرين بإطلاق النار بالرصاص الحي بشكل عشوائي نجم عنه استشهاد  الشاب (سعدي يعقوب المنصوري) وجرح ثلاثة متظاھرين،ليؤكد مجددا بأن السلطة لم تتخلص بعد من ثقافة الاستبداد بخصوص سلوك الاحتجاج السياسي التي يفترض فيها ان تستبدلها بثقافة الزمن الديمقراطي.ولم تفهم بعد ان الاحتجاج ليس تمرّدا على السلطة،ولا يهدف الى اسقاطها،وانه ينبغي ان تتحول ثقافتها في الزمن الديمقراطي الى حماية المحتجين والحفاظ على سلامتهم ورصد المندسين والمجرمين الذين يستغلون المناسبة لنهب ممتلكات المواطنين ومؤسسات الدولة.

وتوثيقا لما حدث فقد تم اغلاق ميناء أم قصر في (13 تموز 2018) من قبل المتظاهرين، وأغلقوا ايضا منفذ سفوان الحدودي، ووصل متظاهرو البصرة الى بوابات فندق شيراتون الدولي بمركز المدينة،واطلقت القوات الأمنية الرصاص على متظاهرين في غرب القرنة،وقامت قوات امن ذي قار بفتح خراطيم المياه لتفريق المتظاهرين الذين احتشدوا أمام بيت المحافظ،وتظاهر المئات وسط مدينة النجف واقتحام آخرين مطارها احتجاجا على تردي الخدمات استشهد منهم مواطنان شابان. وشهدت ميسان تظاهرات قتل فيها شخص واصيب 18 ناجمة عن اطلاق ناري اغلبهم من القوات الأمنية بحسب مدير صحة ميسان، فيما قام آخرون بقطع الطريق الرابط بين ميسان والبصرة، وأطلقت القوات الأمنية النار لتفريق متظاهرين أمام مبنى محافظة ميسان. وبحسب الاعلام الأمني (13 تموز 2018) فانه وقعت اصابات بين ضباط ومنتسبي الأجهزة الأمنية خلال التظاهرات، فضلا عن إحراق وتخريب عدد من المؤسسات والأجهزة التي بداخلها.

 وفي الديوانية، اقتحم متظاهرون مبنى الحكومة المحلية، فيما استشهد ثلاثة مواطنين في تظاهرات مدينة السماوة. وفي 14 تموز 2018، اعلن رئيس الوزراء السيد حيدر العبادي الحالة القصوى ودرجة الأنذار(جيم) واعلان حالة التأهب الأمني في محافظات العراق كافة..وعصر اليوم ذاته،تم ايقاف عمل الانترنت،ونشاط التواصل عبر الفيسبوك بشكل خاص.

قبل ان القي محاضرتي على المتظاهرين بساحة التحرير، حذروني ان اتطرق الى توحيد قياداتهم لأنهم سيرفضون وقد اسمع منهم كلمات غير لائقة..لكنني فعلت بطريقتي السيكولوجية ،ودعوتهم الى أن يتوحدوا..فكان التصفيق!..وللأسف ما توحّدوا!!

عرض مقالات: