أفرزت المدة الماضية منذ بدء الإحتلال الأمريكي للعراق عام 2003 وحتى الآن الحاجة الماسة لإنبثاق ( حزب طليعي ثوري ) يقوم بمهمة تنظيم الجماهير وتعبئتها للوقوف بوجه النظام السياسي القائم صنيعة الإحتلال الذي إتخذ من ( الديمقراطية التوافقية ) منهجاً في الإستحواذ على السلطة والإستئثار بالمال العام وإشاعة الفساد بوصفه ثقافة مجتمعية تغذيها المظاهر المسلحة والإنتهاك المستمر لسلطة الدولة والقانون وسيادتهما . وحين نقول : ( إنبثاق ) لا يعني ذلك بالضرورة السعي الى تأسيس حزب سياسي جديد أو أحزاب أخرى كما يحصل مع كل إنتخابات جديدة – مع أهمية إنشاء أحزاب جديدة منبثقة من صيرورة النظام الديمقراطي نفسه – لكننا نقصد أيضاً إمكانية أن تتصدى الأحزاب التقليدية جميعها أو بعضاً منها، أو إحداها لهذه المهمة عبر ما تمتلكه من تاريخ سياسي وتنظيمي يمكنه أن يختزل لنا زمناً طويلاً في تكريس مفهوم ( المعارضة السياسية ) التي يمكن أن تكون على مستويين :

1 - معارضة سياسية من داخل النظام السياسي .

2 - معارضة سياسية من خارج النظام السياسي .

ولأن الحزب الشيوعي العراقي الذي يطرح مسوَّدة برنامجه العام لمؤتمره الوطني الحادي عشر على طاولة النقاش العام أحد هذه الأحزاب الفاعلة في الساحة السياسية ، فإننا يُمكن أن نقترح عليه إمكانية المراجعة الذاتية لهذين المفهومين اللذين تحدثنا عنهما في بداية ملاحظاتنا وهما: الــ (حزب الطليعي الثوري) الذي يتصدى لــ (المعارضة السياسية) تلك المراجعة التي لا ينبغي لها أن تُهمل دور الحزب وحركته وموقعه في النظام السياسي القائم منذ ثماني عشرة سنة وإلى الآن ، ولعلَّ في مقدمة تلك المراجعة موقفه من النظام السياسي الحالي الذي أثبتت التجربة العملية فشله في بناء دولة قوية مُطابقة للدستور الفيدرالي الذي تم التصويت عليه عام 2005 ، لأن تحديد الموقف من هذا النظام سيحدد بالنتيجة برنامجه القادم وآليات تنفيذه والكيفية التي سيعمل بها مع الجماهير . وإذا كان الحزب يسترشد ( في كفاحه وفي مجمل سياسته وتنظيمه ونشاطه ، بالفكر الماركسي وبدروس التجارب الإشتراكية والتراث الإشتراكي عامة ، ويسعى الى تجسيد ذلك في ظروف العراق الملموسة بإبداع ) كما ورد في مسودة برنامجه ص 7، فإن ذلك يعني عدم تقديم (تنازلات سياسية مبدأية) من أجل التحالفات الإنتخابية كما حصل في التجارب الماضية حتى لا يفقد هذا الحزب (طليعيته) بوصفه أحد الأحزاب التقدمية التي تتطلع لبناء الدولة المدنية القائمة على مبدأ المواطنة وليس مبدأ المحاصصة المذهبية والقومية والحزبية ، فضلاً عن عدم خسرانه لــ (ثوريته) عبر تحالفه مع ( القوى الرجعية) في البلد بشقيها القومي والديني ، ومشاركته الشكلية في نظام الفساد سواءاً في المؤسسة التشريعية ( البرلمان ) أو المؤسسة التنفيذية ( الحكومة ) كما حصل سابقاً ، الأمر الذي أدَّى إلى إلحاقه أو تصنيفه على ذلك النظام من قبل الجماهير الثورية خاصة بعد ثورة تشرين التحررية عام 2019 .

إن أولى المهمات التي ينبغي أن يركز عليها المؤتمر القادم هو تحديد موقفه الواضح والصارم من النظام السياسي القائم ، ولعل في مقدمة ما ينبغي إعادة النظر فيه هو رؤيته لطبيعة النظام السياسي الحالي الذي يجد في ( .... الفيدرالية ، أي نظام الحكم الإتحادي شكل الحكم المناسب للعراق ، ويدعو الى توطيدها في إقليم كردستان ، وتطوير اللامركزية في مناطق العراق الأخرى بتعزيز صلاحيات المحافظات ) كما ورد في المسوَّدة ص 8 ، فقد أثبتت السنوات الماضية فشل هذا النظام من الناحية العملية لأنه كرَّس النزعة الإنفصالية لإقليم كردستان عبر سعيه الى الإستقلال وتجاوزه للدستور العراقي حين نظَّم إستفتاء الإنفصال من دون الرجوع الى الحكومة المركزية أو البرلمان الإتحادي ، فضلاً عن أن رخاوة الدولة العراقية بعد عام 2003 وتعدد مستويات القرار فيها جعل منها دولة ضعيفة غير قادرة على تطبيق القانون في أدق مفاصله وأكبرها ، كما أن الدعوة – في مسوَّدة البرنامج – الى ( تشكيل أقاليم جديدة ، عندما تنضج الشروط الضرورية لذلك ، وفي المقدمة منها تطمين المصالح والحاجات الحقيقية لأبناء المناطق المعنية ، وأن يأتي تشكيل الأقاليم تعبيراً عن إرادتهم الحرة . ) ص 8 ، سوف يفتح الباب على مصراعيه أمام المشاريع القومية ( الكردية ، التركمانية ) والمذهبية ( شيعية ، سنية ) ، فضلاً عن الأطماع الإقليمية ( الخليجية ، التركية ، الإيرانية ، الإسرائيلية ) في تفتيت وحدة العراق وتمزيقه بدعوى ( الأقلمة ) و ( الفيدرالية ) وهو ما لن يخدم البلد على الأقل في الوقت الراهن . 

إن الدعوة الى تشكيل الأقاليم في مسوَّدة برنامج الحزب ( ص8 ) يتناقض تماماً مع الدعوة في المسوَّدة نفسها على ( ضرورة الوحدة الوطنية والتلاحم بين أبناء الشعب وسائر قواه ذات المصلحة في تحقيق الإستقلال الوطني والإنتقال الديمقراطي ) ص 9، لأننا نرى بالضرورة أن الوحدة الوطنية يُشترط فيها أمرين :

1 - وحدة الخطاب السياسي ( النظام الوطني ) .

2 -  وحدة الجغرافيا ( التراب الوطني ) .

هاتان الوحدتان لا يمكن تحقيقهما بوجود النزعة الإنفصالية عند جميع المكونات ، ليست الإنفصالية في الخطاب السياسي فقط ، وإنما تتعدى ذلك الى نزعة إنفصالية على مستوى الجغرافيا أيضاً ، ما يعني أن مسوَّدة المؤتمر الوطني للحزب ينبغي عليها أن تفصل بين الأطروحات النظرية التي يقوم عليها النظام الفيدرالي في العالم وفي الأدبيات السياسية وبين ( التجربة العراقية ) الهجينة التي تقوم بأسلبة كل إيجابيات النظام الفيدرالي وتحويلها الى حجر عثرة بوجه البناء النموذجي لذلك النظام بسبب راديكالية الأحزاب السياسية المُمسكة بالسلطة السياسية تشريعاً وتنفيذاً .   

إن المسوَّدة ينبغي أن تولي أهمية للكيفية التي يمكن عبرها ( تكوين أوسع إصطفاف سياسي وشعبي رافض ومعارض للنهج السياسي والإقتصادي لمنظومة المحاصصة والفساد ) كما ورد في ص 11 لتحقيق مبدأ المعارضة السياسية التي ننشد من هذا المؤتمر أن يضع نقاطها العريضة التي تتجاوز التنظيم الحزبي الداخلي الى فضاء أوسع هو فضاء الجماهير الثائرة على هذا النظام والتي تحتاج الى ( قيادة ثورية طليعية ) يُمكنها أن تحوّل الحراك الشعبي ومنهجه السلمي في الإتجاه الصحيح لإحداث فعل التغيير الحقيقي بعد كل هذه التضحيات الجسيمة التي قدمتها الجماهير الثائرة . إننا نرى أن تكوين المعارضة السياسية من داخل هذا النظام السياسي الفاسد لا يمكن أن يُكتب لها النجاح لأسباب عديدة في مقدمتها :

1 -  الرفض الشعبي الواسع للنظام السياسي الفاسد ببرلمانه وحكومته . 

2 -  عدم قدرة الحزب في الحصول على عدد مناسب من المقاعد في البرلمان تؤهله للعب دور المعارضة .

3 -  ضعف القواعد الشعبية للحزب من الناحية التنظيمية والعددية التي تؤهله لتحريك الشارع بشكل كبير وفعّال مثل أحزاب وتيارات أخرى .

4 -  ضعف برامج التحشيد والتوعية الجماهيرية للحزب وتخليه الواضح عن مبدأ العمل مع الجماهير وتركيزه على مبدأ الوصول للسلطة بإمكانياته الذاتية أو عبر التحالف مع القوى الرجعية .

5 -  الإنكفاء على الذات والقبول بدور ثانوي بسيط سواءاً في المؤسسة التشريعية ( البرلمان ) أو المؤسسة التنفيذية ( الحكومة ) وعدم الإدراك لحجم الحزب التاريخي وما كان يُشكله من ثقل في المعادلة السياسية منذ تأسيسه الى أواخر السبعينيات .

تذكر المسوَّدة في محور ( بناء الدولة والنظام السياسي ) ص 13 – 15 إثنتا عشرة فقرة لا يمكن بأي حال من الأحوال معارضتها أو مناقشتها لأنها يُمكن أن تُشكل ( الثوابت الوطنية ) لأي حزب سياسي يُمكن أن يصل الى السلطة ويقوم بتنفيذ هذه الفقرات عبر برامج وطنية تُسهم في تحويل القول الى الفعل ، لكن الحزب في هذا المحور تحديداً سيصطدم بعقبتين رئيستين هما : الدستور العراقي الذي يضم أكثر من 60 فقرة تحتاج الى تشريع قوانين خاصة بها ، فضلاً عن الدستور نفسه الذي يحتاج الى مراجعة وإعادة صياغة وتعديل بما يتناسب مع المطبَّات التي وقع فيها النظام السياسي الحالي منذ عام 2005 وحتى الآن . والعقبة الأخرى هي كيف يمكن للحزب أن يسعى الى تحقيق هذه الفقرات في مجال بناء الدولة والنظام السياسي في ظل دوره الهامشي في البرلمان كما حصل في الدورات السابقة ، فضلاً عن مقاطعته للإنتخابات القادمة لعام 2021 ؟

إن المحاور الأخرى في المسودة التي تشمل : ( السياسة الإقتصادية – الإجتماعية ، ص 16 – 20 ) و ( المديونية الخارجية والتعويضات وحماية أموال العراق ، ص 21 ) و ( ضوابط الإستثمار الخارجي، ص 22 ) و ( القطاعات الإقتصادية : القطاع النفطي والإستخراجي ، الطاقة والكهرباء، الصناعة، الزراعة ، التجارة الداخلية والخارجية، السياحة ، التشييد والإعمار ، شؤون العمال والشغيلة ، ص 23 – 40 ) و (المرأة ، الطفل، الشبيبة والطلبة ، ص 40 – 44 ) و ( التربية والتعليم والبحث العلمي، ص 45 – 49) و(الصحة، ص 49 – 51) و(الموارد المائية، ص 51 –52) و( البيئة ، ص 52 – 54) و (الثقافة والإعلام ، ص 54 – 57) و(الإتصالات وتكنولوجيا المعلومات، ص 58 – 60) و(النقل والمواصلات ، ص 60 – 61) و (الرياضة، ص 61 – 63) و (منظمات المجتمع المدني، ص 63 – 64 ) و (القوات المسلحة والأجهزة الأمنية، ص 64 – 65) و(حقوق القوميات، ص 65 – 66) و(العلاقات الخارجية، ص 67 – 72)، كلها برامج طموحة وفعّالة لبناء دولة قوية ونظام سياسي رصين، لكن لا يمكن في ظل النظام السياسي الحالي الشروع بأي محور من هذه المحاور في ظل الفساد المستشري أولاً ، وفي ظل عدم وجود سياسات وطنية حقيقية وجادّة يُمكنها أن تُسهم فعلاً في وضع برنامج وطني للتنمية والتطور.    

 

*كلية الإعلام – جامعة ذي قار

عرض مقالات: