تجلت الموهبة الأدبية للشاعرة حسينة بنيان حين عرفتها منصات المهرجانات الطلابية، وقد وضحت بأنها ذات موهبة شعرية واعدة، وانشغلت مبكراً بالحلم الوطني الذي يحمل الغنى الإنساني ويتسع للعالم كله، بالاتساق مع توجهات الأخوة الكبار (جبار وهاشم)، في تهيئة الذهن باتجاه تفهم معنى الوجود، فلم تتردد، ولم تصعب عليها الرؤية، ولا حتى التفريق بين ألوان الفكر.

مبكراً.. مالت الفتاة الحلّية الشابة بقدرها الى حيث يكون القلب يساراً، وقدمت حب الوطن على الذات، وأدركت حينذاك الترابط الجوهري بين القول والفعل، ولابد أن يقترن الموقف الفكري بالعمل النضالي، فسارت على جمر التحديات، متصدية للعمل السياسي باندفاع، لتحقيق الوطن الحر والشعب السعيد. وجعلتها هذه التوجهات أن تكون عرضة لشتى المضايقات من قبل أعوان النظام السابق وأجهزته الأمنية.

كرست حسينة بنيان نفسها كشاعرة، فضلاً عن كونها ناشطة تحوز على مواهب متعددة، فقد أسهمت بالعديد من الأنشطة الأدبية والفنية، وعملت في المنظمات المهنية الديمقراطية في اطار تنظيمات اتحاد الطلبة العام ورابطة المرأة العراقية، كما شاركت في منتصف سبعينيات القرن العشرين ضمن فعاليات الفرقة الفنية للحزب الشيوعي التي كان الشاعر ألفريد سمعان مسؤولاً عنها.

وواصلت الشاعرة مسار الاشتغالات الأدبية، ولم ينكسر نصل قلمها رغم ضربات التدجين القوية في الحقبة التي تطوقت بالثقافة الواحدية، شاحت بوجهها عن الفتات الرخيص منزوية، ولم تسبح بحمد الديكتاتور الذي لا يرحم، وراحت تحث الخطى في دروب فن القول على منوال دؤوب، واثقة من موهبتها، واستطاعت أن تلفت الأنظار اليها، وتفرض حضورها في المشهد الشعري العراقي، لاسيما بعد أن راكمت منجزاً شعرياً ممتداً طوال سنوات حياتها، منجز يحفل بتعبيرات ابداعية مرصوفة بالكلمات، تعكس انفعالات الوجدان، وتعبر عن أحاسيس الذات المثقلة بهموم الوطن وشجون الحياة، وتمثلت تحققاتها في إصدار سبع مجموعات شعرية. وتقوم نصوص المجموعة الأخيرة (أم أخيها) برمتها على رثاء الأخ (هاشم)، وعندها يختلط الشعر بالحزن، وقد وضعت نصب عينيها موضوعة الاهتمام بصوغ العنوان بوصفه العتبة النصية الأولى التي تمثل نصاً موازياً للمتون الشعرية، فضلاً عما ينطوي عليه من وظيفية تعريفية، إذ يكون بمثابة الجسر الفكري التواصلي بين المتلقي والنصوص الشعرية، فذهبت الشاعرة الى الاستعانة بالماضي عبر اختيار كناية ذات دلالات خصبة موحية ومولدة للمعاني، هي: (أم أخيها)، تستمدها من التاريخ الإسلامي، محملة برمزية الأخت التي تقوم بدور الأم، وتنوب عنها في تحمل الأعباء الثقال، وغير ذلك الكثير لكونها حقلاً منتجاً للدلالات.

في لحظة تجلي، تقوم الشاعرة باستدعاء أخيها لما يتقدم الفرح اليها في ذكرى تأسيس الحزب الشيوعي العراقي.. المنعطف التاريخي المجيد يوم 31 آذار، فتنفث على وريقات الأيام، نتفاً من الخلجات المحبوسة بين طويات الروح، ويرتد صوتها في قصيدة منعكسة بطعم خاص عبر تجاور الفصحى مع المحكية، تنطوي على انفعالات متشكلة من أحاسيس وعواطف صادقة، دافقة بمعاني الاصرار.. اصرار الراحل وثباته.. وهي تهمس: (وأنت الذي علمتني ما أقول).. لكي تخبره بالبقاء على العهد، واستدامة رفاقه على المسيرة النضالية الناشدة الى تحقيق حياة أفضل ومستقبل زاهر.

بقيت الشاعرة مشدودة الى عوالم المخيلة، تنظر الى ما حولها، تتأمل.. تتابع الأيام المحملة بالمصائب، وهي تنوء بأهوال النازلات على الرؤوس، تتحس أول ما تتحس جسامة فقدان الأخ، ورغم ظلال الفجيعة القاسية والمؤلمة، لتسترجع فضائل الغائب/ الحاضر، لأن هذا الإنسان الشيوعي حقاً من البشر الذي لا تنمحي آثارهم، وهو من الطراز الذي لن تنزوي سيرته أبداً في زاوية النسيان، بل تبقى حاضرة مع ديمومة الحياة، وتظل دوماً تطرق أبواب الذاكرة.

أن الشاعرة (أم أخيها) منذ أن انطفأت روح (هاشم) صار قلبها يكتوي بالحزن، ولم يكن بوسعها أن تغمض عينيها من دون أن تتفحص رسمه، فكانت تهجسه في وجوه أصدقائه، كل من:  ناصر إبراهيم فلاح عادل رياض صلاح غفار عماد علي وخيال.. مثلما راحت تشتم رائحته العطرة في الفضاءات التي كان يرتادها في مدينته الحلة الفيحاء، تستذكره في المراحل العمرية كافة، وأخذت تطوف بالأمكنة التي كانت أنفاسه تعطر هواءها، فتنقلت بمراكب الشعر في قصائدها ودليلها المخيال الذي يومئ نحو وجهتها، ويداري أملها، وراحت تتجول بين بساتين الحلة.. حديقة الفيحاء.. حي بابل.. حي المتقاعدين.. قطعت في مشوارها كل المسافات، مقصدها الى حيث تكون مسارب النزهة يومذاك، حتى وصلت شارع الأربعين، ومن ثم تسللت الى فناء المدرسة الغربية النموذجية تستقطر شيئاً من ذكريات الطفولة، ولعله يتسلل الى خاطرها، ويمكث برهة بين ناظريها.

ان انثيالات الذات المتدفقة من قاع الوجدان، والطافحة تحت وطأة الحزن رسمت بالكلمات على نقاء الورق سيرة هذا الإنسان العامرة بالكفاح، والتي ستظل صفحة ناصعة البياض محفورة على تضاريس التاريخ الوطني العراقي، لن تنزوي أبداً في زاوية النسيان.

أنت منهُ وهو منكَ

آخر نص كتبته حسينة بنيان

لاتقل لمن يحتويك

لستَ أنتَ

فأنت منه وهو منك

طينُكَ البرّي

قد تعترضُ الجذور

وتهتزُّ السيقانُ

وتنفرُ ألاوراق

وتفرُّ الزهور

فأنتَ منهُ٠٠ذلك الباكي

نهرُك العميق

تحت أجنحةِ الحمائم

لتشهدَ له النيرانُ والدماء الضائعةُ

وجداريةُ فائق حسن

وبعضٌ من دموع أمهات

مازلن يرتّلنَ

ياسين٠٠ياسين

لم تعُد كما أنتَ

فالجرحُ باقٍ

ودعاءُ الفجر يرتشفُ الأمان

منكَ

لاتقل شيئاً

قد تعترضُ الزهور

وينوبُ عنك

ثأرٌ آخرَ ٠٠وبقايا صلوات

عرض مقالات: