نريد خبزاً لا رصاصاً

“ أمن أجلنا ــ  يارب،

جعلتَ الليلَ بهذا العُمق والجمال ؟ “

ــ اندريه جيد.

لاتفطميني.

أنا رضيعك الذي تجاوز سنواته السبعين،

يشتهي الحَبوَ بين يديكِ

ركنتُ دراجتي الهوائية عند حائط سور المدرسة, بعيدا عن البوابة الكبيرة, كنت انتظرك فقط. طلاب كثيرون اكبر مني عمراً تكوموا عند البوابة كانوا يهتفون :

ــ نريد خبزاً، لا رصاصاً.

كنتُ في الفصل الأخير من الدراسة الابتدائية, اقرأ فصولا في كتاب الحب، عندما يحط العندليب على نخلة الله في منزلنا ويبدأ بالغناء. قالت أمي : هذا الطير يسبّح بحمد الله  قبل أن يستيقظ الناس. قلت لها:

ــ ابنة جارنا عبد الكريم ــ زينب، تسبّح بحمد الله قبل العندليب،عندما تروح صوب الشطّ  لتجلب ماء إلى خالي سيد عاشور, من اجل وضوئه.

قالت أمي :

ــ أنت وزينب في عمر وا حد، لاقف هناك  ــ على مبعدة من البوابة الكبيرة، منتظرا خروجك مع زميلاتك وأنتنّ تهتفن جميعا بصوت واحد:

ــ نريد خبزاً، لا رصاصاً.

***

ابتعدتُ المظاهرةُ عن المدرسة كثيرا، كانت نهايتها عند عَقد اليهود، ومقدمتها جاوزت سوق النجارين. كنتِ مع كراديس البنات في المقدمة، تمسكين بعباءتك بيدك اليمنى، وفي اليسرى قلبي.

هتفتِ :

ــ نُريد حبّاً، نُريد خبزاً،

 فردد التلاميذ والتلميذات الهتاف بعدك.

كنتُ أقود دراجتي الهوائية وحيداً على يمين المظاهرة، واراك في مكانين في آن : مع البنات، والى يساري، تقولين لي :

ــ انضم إلى صحبك.

 ــ انا معهم فعلا، ومعك فعلاً.

ثمّ هتفنا معا:

ــ وطنٌ حرٌ.. وشعبٌ سعيد!.

***

أيها الناس

زينب انتظاري ونجواي،

وهي الكوكب الدري

الذي يضئ ظلام هذا العالم

***

بيضاء ومحجبة : هكذا وصف الناس زينبَ.

أما أنا ــ  مجنونها، فأراها نخلة الله في حوش منزلنا, وحمامة بيضاء، يخبرني هديلها المسائي، إنها الغريبة المكلومة التي غيّبها قومها عن قوافلهم، وتركوها في غيابة خُويط السلطان.

للمرأة الجنوبية ـ عادة، حجلان. اما زينب فهي المتفردة بين نساء ميسان. كانت بأربعة حجول. اثنان حول يديها، وآخران فوقَ كعبي قدميها. لم يقم بصياغة حجولها صائغ مندائي أو رجل وفد إلى حارتنا من بغدان أو دلمون او بومبي.

حجول زينب هبة الله.

عرضَ عليكِ قارونُ خزائنه

أهداكِ الرشيدُ عرشه

وهبكِ المأمونُ مكتبته

وقالت لكِ عشتار :

ــ  هذه هي أسرار “الانانوكي” بين قدميكِ.

قلتِ : لكم الذهب، العروش، قراطيس الحكمة, وأسلحة مردوخ.

تلكَ بضاعتكم ردَّت لكم.

اريد حامل راياتنا الحمراء، مجنون ميسان.

****

رايت الراية الحمراء تنتظر زينب.

ورأيت الرايات، الرايات الاخرى، فكاد قلبي يَطفرُ من بين أضلعي.

عند ظل راية “بني أسد”، كان ثمة دائرتان: رجال أنزلوا عُقُلَهُمْ حول رقابهم، وشدّوا رؤوسهم بكوفياتهم، كنايةً عن رغبتهم بالاستشهاد. ونساء ائتزرنَ بعباءاتهن، وأطلقن شعر رؤوسهن، وطيّنّ وجوههن بالطين، تعبيراً عن حزن لا يترجم له إلا لاميّات اليشــن.

كان موكب اللاميّات مهيبا. كبرت سُعدى ام حسين، وقالت: واعراقاه. ثم اومأت لنساء بني اسد.

 كانت دائرة الرجال تدور حول دائرة النساء من اليمين الى الشمال، بينما دائرة النساء تدور حول نفسها من اليسار الى اليمين. وإذ كان الرجال يحملون بأيديهم سيوفاً عربية، كانت النسوة تلطمن صدورهن وخدودهن، بينما الجميع يشخص ببصره الى حيث المرتفع المقابل للسور.

وتحت راية “بني كعب” اختلط الرجال والنساء في كراديس لا نهاية لها. كان ثمة مهوال ينشد شعراً للشريف الرضي أمام احد الكراديس. وفي مقدمة كردوس آخر كانت امرأة تهزج بأبيات لأبي فراس الحمداني، بينما كانت الصياقل تلصف في شمس تموزية.

اندفعتُ بين الجموع، حتى رأيت نفسي تحت راية “بني تميم”: في المقدمة كان كردوس لشباب بدشاديش بيض، حفاة الأقدام، يقرأون بالمصاحف. تلتهم كراديس لرجال ونساء، يرفعون سعف نخيل وبنادق وأسلحة سومرية قديمة. كنت أبحث عنك بين هذه الحشود من الرجال والنساء والأطفال. لم أجدك بينهم، لكنني أعرف أنك على مبعدة فترمن قلبي.

تقدمتُ صُعداً حتى وقفت مشدوهاً تحت راية “بني لام”. كان قلبي يحدثني: زينب هنا. أصخت بسمعي، منتظراً سماع صوتك يناديني: يا مجنون الزمان، أنا هنا.

 ولم تكوني هنا،  أو هناك.

على حين غرة، رأيت كوكبة من “الكِنانيَّات” يتخذن الجانب الأيمن من الطريق طريقا، خارج رايات القبائل الأخرى، وبمحاذاة رايات “آلبُومْحِمَّد”. رأيت النسوة السمراوات، يرفعن نعشاً يتوسطه رأس ذبيح: رأس امرأة بنقاب، النقاب من حرير أسود، الحرير يبرز عينين سوداوين:

ـ زينب!

هتف قلبي بكل ما عندي من حيل. ثم شعرت بقلبي يتوقف عن النبض.

أنا الموت المؤجل/

أنا ذبيحتك ومجنونك الأخير.

أنا، أنا..أنا.

وتخشّــب لساني في فمي. انحبس صوتي.

 كيف يتأتى لبشر يراك ولا يصيبه الخرس؟

مددتُ ذراعي اليمنى اليك. لمستُ ذيل دشداشتك بأطراف أصابعي، فحضرت الفراديس طائعة. رأيت عينيك السوداوين، فطارت الجنان وحطت فوق المرتفع المقابل للسور. وكانت الرايات تتجه نحو المرتفع. وهناك، فوق المرتفع الترابي، تحت الشجرة الفارعة تماماً، رأيتك مرة أخرى، من مهجعي هذا، في موتي المؤجل، تديمين النظر الى كراديس البشر.

هؤلاء هم أحبابك ــ سيدتي، جاءوا اليك من كل المطالع، عرب وعجم، سمر وبيض، لا يبتغون إلا رؤية وجهك، وسماع صوتك، والسلام عليك كما هي اشتياقات العشاق.

لقد عبرنا الأهوار، وجاوزنا الأنهار، وطوينا القفار والفيافي،

 لا نحمل إلا زوادة المسافر، وليس في علائقنا إلا قراطيس الأشعار التي تمجد قامتك، وتنحني إجلالاً لرب العزة الذي خلقك على عينه.

زينب !

يا زينب، يا شرف البلاد وقُرَةَ عينها

يا نورَ السراج، وزيتَ المصباح

يا حارسةَ القوافل

أنت الشهيدة والشاهد.

أسْتَيقظْتُ.

عادت إلــيّ روحي. كان لساني يلوب ذَرباً في فمي. كنتُ خلف الرايات، بعيداً عن المرتفع الترابي، نائياً عن الشجرة الفرعاء، لكنك على مبعدة فتر من قلبي.

قالوا: إذا رغبت في السلام عليها، فاتبع مواكب محبيها.

انتظرت هذا اليوم، مُذْ كنت بشهري الثالث في رحم امي، و رضيعاً في السنة الاولى من عمري. ثم انتظرته طفلاً وصبيا،ً ثم فتى.

في مَهْديَ سمعتُ بأسمكِ،

 وعند رؤوس مفارق الطرق ذُبتُ بين كراديس محبيك،

وفي أيام الحزن والفجيعة، لبدتُ خلف جذع نخلة، انتظار رؤيتك والسلام عليك.

وهذا هو يومي الموعود.

ارتديت دشداشتي البيضاء التي لا ألبسها إلا في الأعياد، وخلعت نعلــيّ ورميتهما في الوادي القريب. أنزلتُ عقالي حول رقبتي كذلك المنذور ليوم للحسين، وشددتُ رأسي بكوفيتي الحمراء، كما يفعل اللاّميون في ساعة الهيعة.

 ثم اختلطت بالناس.

الناس، الآن، صعدوا المرتفع الترابي، وأحاطوا بالشجرة الفرعاء. لا صوت أسمع إلا صوت الصمت، ولا غاية لي إلا رؤية عينيك. لن أزاحم الناس. سأبقى في مكاني هذا، على مبعدة فتر من قلبي، لأنني رأيتك في هذه المسافة وأنا في المهد.

أريد رؤيتك وحيداً، أبتغي التملّي بجمال عينيك، حتى وان شخصت اليك هذه الآلاف المؤلفة بعيونها.

يكفيني فقري، ونظرة واحدة الى عينيك.

ـ زينب.

ثم رأيتك تنهضين، هناك عند الرابية، ليصلني صوتك واضحاً وحلواً:

ـ يا مجنون الزمان.. اجتبيتك ليوم الصريخ الأكبر.

يا مجنون الزمان،

 الحقُّ انت. 

******

عندما سمعتكِ تخاطبين الأقوام بهذا الكرم،

أطلقتُ صوتي عاليا ليسمعني الشعبُ ذو الشعر الاسود:

أهدي اليكِ مكحلةَ أمّي،

مكتبتي،

وآخر أسراري :

إسمي الحزبي.

فانطبقتُ السماواتُ على الارضين !

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* الماجدية : محلة الماجدية المعروفة بمدينة العمارة

وهي مسقط راس جمعة اللامي.

ــ يتضمن النص أسماء مواقع وقبائل غير بعيدة عن ذاكرة القُرّاء العراقيين.

* قاص وروائي عراقي من جيل الستينات يقيم حالياً في الشارقة.

عرض مقالات: