تراجع مؤشر العراق في حرية العمل الصحفي هذا العام، في ظل مواصلة الجهات الرسمية وغيرها كبت الحريات ومنع الوصول للمعلومة والحصول عليها، واستمرار استهداف الصحافيين، وتقديم الدعاوى الكيدية ضدهم، الى جانب اغلاق المؤسسات الإعلامية بحجة مخالفة المعايير والآداب العامة. هذا ما يقوله صحافيون وناشطون في مناسبة اليوم العالمي لحرية الصحافة 3 أيّار.

 

المعلومات.. منفعة عامة

وشددت الأمم المتحدة على موقعها الرسمي في اليوم العالمي لحرية الصحافة لعام 2021 على أهمية المعلومات في كنف النظام البيئي الجديد، مؤكدة أهمية تسليط الضوء على “الخطوات الكفيلة بضمان استمرارية وسائل الإعلام من الناحية الاقتصادية، الآليات الكفيلة بضمان شفافية شركات الإنترنت، تعزیز قدرات الدرایة الإعلامیة والمعلوماتیة، التي تمكّن الناس من الإقرار بالصحافة وتثمينها والدفاع عنها والمطالبة بها كجزء حيويّ من المعلومات كمنفعة عامة”.

واعتبرت المنظمة موضوع الاحتفال باليوم العالمي لحرية الصحافة هذا العام، هو “المعلومات كمنفعة عامة”، وعدّته “دعوة لتأكيد أهمية الاعتزاز بالمعلومات باعتبارها منفعة عامّة، واستكشاف ما يمكننا القيام به عند إنتاج المحتوى وتوزيعه وتلقّيه من أجل تعزيز الصحافة والارتقاء بالشفافية والقدرات التمكينية، مع العمل على عدم تخلف أحد عن الركب”.

 

الهيئة “تكيل بمكيالين”

وذكر اعلامي، يعمل في احدى الإذاعات المغلقة مؤخراً، فضل عدم ذكر اسمه، ان “هيئة الاعلام والاتصالات تكيل بمكيالين في التعامل مع المؤسسات الإعلامية، وانه اصبح عاطلاً عن العمل بعد اغلاق مؤسسته الاذاعية، وتكرار مطالبة هيئة الاعلام بدفع مبالغ مالية ضخمة لن تستطيع الإذاعة تسديدها”.

وفي مقابل هذا، يذكر المتحدث لـ”طريق الشعب”، يوم أمس، أن “الهيئة لم تغلق مؤسسات إذاعية أخرى، ليس لديها رخصة للبث”، عازياً ذلك الى ان هذه المؤسسات تابعة لجهات سياسية تملتك اذرعا مسلحة، وهذا ما يؤكده موظف في الهيئة طلب عدم ذكر اسمه، معززاً ذلك بالقول: ان “زملاءه لا ينفذون أوامر زيارة الإذاعات التي تمتلكها جهات مسلحة. بالمقابل فإنهم اغلقوا اذاعات أخرى بطلب من مسؤولين في الهيئة”، حسب قوله.

ويضيف المتحدث، ان “أسباب الاغلاق تتعلق ظاهرياً بعدم تسديد هذه الإذاعات للمبالغ المترتبة في ذمتها، بينما الامر الصحيح هو للضغط على هذه الإذاعات لغرض التخلي عن التردد، ومنحه الى مؤسسات إعلاميّة، افتتحت مؤخراً تابعة لجهات سياسية نافذة”.

لا استجابة

وحتى مع تنصيب رئيس جديد لهيئة الاعلام، بعد التصويت على اقالة رئيس الهيئة السابق من قبل مجلس النواب، على أثر أجوبته التي لم تقنع المجلس أثناء استجوابه، لم يتغير من الامر شيء، وان “الهيئة لم تستجب لطلب رئيس مجلس الوزراء مصطفى الكاظمي بتخفيف الضغوط على المؤسسات الاذاعية خلال اجتماع حضره ممثلو بعض الإذاعات ومسؤولون في الهيئة ونقابة الصحفيين”، هذا ما أكده مصدر مشارك في الاجتماع.

 

العراق بيئة غير مناسبة

وفي يوم المناسبة (3 أيّار)، طالبت المفوضية العليا لحقوق الانسان في بيان، حصلت “طريق الشعب” على نسخة منه بـ” توفير الأجواء الديمقراطية للعمل الإعلامي وحرية التعبير والرأي ومنع الإجراءات التعسفية تجاه الصحفيين التي تمثل الأساس لبناء المجتمعات المتطورة المتقدمة التي تؤمن بحرية الصحافة ورسالتها الإنسانية، من خلال تمكين الإعلاميين من الوصول إلى المعلومة، دون وضع العراقيل والقيود كحق كفلته التشريعات والقوانين”.

وثمنت المفوضية “المواقف والتضحيات التي قدمها الإعلاميون في سبيل إعلاء الكلمة الحرة والصادقة رغم الأجواء الصعبة والمقلقة للمؤسسات الصحفية التي تجاهد من أجل البقاء والاستمرار وصعوبة الإصدار بسبب الضائقة المالية والاقتصادية التي يمر بها البلد، وهذا يتطلب تضافر جهود الدولة والقطاع”.

وقال عضو مجلس المفوضين علي البياتي، في تصريح لـ”طريق الشعب”، انه رغم “وجود نظام ديمقراطي يكفل حرية الصحافة وحق الحصول على المعلومة، لكن من الواضح ان عمل الصحافة لم يعد امرا سهلا، وهم يتعرضون لانتهاكات عديدة مثل التهديد والخطف والقتل، وحتى احياناً يصل الامر الى توجيه تهم وصدور مذكرات القاء قبض بحقهم، خصوصاً للصحفيين الذين يعملون على تقارير استقصائية، تطال شخصيات سياسية ومؤسسات حكومية”.

وبين البياتي، ان “التقارير الدولية تؤكد ان وضع العراق غير مناسب لعمل الصحافة، وهناك تناقض خطير في بيئة العمل الصحفي، من جهة نسجل ان هناك انتهاكات واسعة وجسيمة فتستوجب من الصحافة القيام بتغطيتها. ومن جهة اخرى نلاحظ ان الضمانات الدستورية والدولية الخاصة بحرية الصحافة والصحفيين غير موجودة”.  

 

قوانين دكتاتورية.. سارية

وذكرت النقابة الوطنية للصحفيين، في بيان وزع بالمناسبة، وحصلت “طريق الشعب” على نسخة منه، ان “ القوانين التي شرعت في زمن النظام الدكتاتوري سارية إلى يومنا هذا. فيما لم تشرع قوانين أخرى مهمة للعمل الصحفي، ومنها مشروع قانون حق الحصول على المعلومة”.

وأضاف البيان، ان “النقابة تواصل خوض معركة ترسيخ حرية التعبير”. 

وتابع البيان “ولكي لا نخرج عن إطار الموضوعية، يجب القول، إن حدة الانتهاكات ضد الصحفيين تراجعت خلال السنتين الماضيتين، ولكن مؤشرات الانتهاكات والتجاوزات في العراق، لا تزال مرتفعة بالنسبة لبقية بلدان العالم”.

 

الازمة الاقتصادية احد العوامل

ويؤشر عاملون في مجال الصحافة المطبوعة، خسر غالبيتهم وظائفهم في السنوات الأخيرة، أن الصحافة المطبوعة “تترنح على حافة الهاوية”، نتيجة لتردي الأوضاع الاقتصادية، بعد انخفاض أسعار النفط الذي تعتمد عليه ميزانية البلاد، بنحو 90 في المائة.

ويلفت الصحافي عادل كمال في حديث صحافي نشره موقع “رصيف 22”، إلى انتعاش الصحافة الورقية بعد التغيير، وصار لكل حزب أو تيار سياسي صحيفته الخاصة. 

ويضيف “كان الإقبال الشعبي كبيراً بسبب تعطش الناس لمتابعة الأصوات التي بقيت لعقود مكبوتة، وللاطّلاع على الواقع الجديد خاصة مع لجوء غالبية الصحف، إلى نشر معلومات ووثائق عن الحقبة السياسية السابقة، والتي كانت محجوبة عن الرأي العام”.

وإلى جانب الفضائيات والإنترنت، يعتقد كمال أن “هناك سبباً آخر أدى إلى فقدان الصحف الورقية بريقها عراقياً، يتمثل في ارتباط معظمها بشخصيات وأحزاب سياسية متنفذة، ما جعل احتجابها أو استمرارها بالصدور مرتبطاً بنجاح ذلك السياسي أو الحزب في السلطة من عدمه”.

وبين عامي 2004 و2012، عمل كمال مراسلاً ومحرراً في صحف عراقية عدة، توقفت عن الصدور، بعد أن فقد ممولوها مناصبهم السياسية أو فشلوا في الانتخابات.

وخلال سنوات وعلى وقع هذه العوامل، توقّفت غالبية الصحف المستقلة، وتعثر صدور الصحف الحزبية، وراجت المنصات الإلكترونية التي لا يستسيغها الكثير من القراء، وعلى رأسهم كبار السن ممّن لا يتقنون استخدام الأجهزة الإلكترونية، ويعانون من صعوبة في القراءة على اللوحات الهاتفية.

 

بغداد.. بيئة خطرة 

وسجلت جمعية الدفاع عن حرية الصحافة، مؤخرا، 268 انتهاكا للفترة (3/5/2020 – 2/5/2021)، كان من نصيب العاصمة بغداد 77 حالة، تلتها كركوك بـ36 انتهاكا. وكان عنوان تقريرها السنوي “بغداد.. أخطر بيئة للعمل الصحفي”.

وتوزعت الانتهاكات خلال هذا العام، حيث شملت التهديد، والسجن، والدعاوى الكيدية، والاعتداءات بالضرب ومنع التغطية، فضلا عن اغلاق وسائل اعلام، وتسريح عاملين.

وذكر التقرير الصادر عن الجمعية، انها رصدت 11 حالة إصابة على الرغم من انحسار حجم الاحتجاجات، و63 حالة اعتقال واحتجاز دون أوامر قضائية او مذكرات القاء قبض. بينما سُجلت 10 هجمات مسلحة، و141 حالة اعتداء بالضرب ومنع وعرقلة التغطية، هذا فضلا عن تسجيل حالتي تهديد لزميلين صحفيين.

وكشف التقرير عن 13 دعوى قضائية واحكام واوامر قبض بحق 13 صحفيا، وفقا للقوانين المسلطة على مجال حرية التعبير المكفولة دستوريا، والتي لا ينوي المشرّع العراقي تعديلها او الغاءها.

وخلص التقرير الذي حصلت “طريق الشعب” على نسخة منه، الى تورط جهات رسمية بخرق الدستور، وعدم اكتراث من الجهات المختصة بحماية الدستور وثوابته، وعدم التزام رئيس الوزراء بتعهداته لحماية حرية التعبير والعمل الصحفي، فضلا عن السكوت على ملف الإفلات من العقاب، اذ ما يزال قتلة الصحفيين، ومنفذو الهجمات المسلحة على وسائل الاعلام، أحرارا طلقاء.

وعزا التقرير، اسباب ذلك الى الغياب شبه التام لدور النقابات والاتحادات الصحفية، وعدم اكتراثها ازاء ما تتعرض له حرية العمل الصحفي، وايضا سكوتها ازاء غياب الامن الوظيفي للصحفيين العاملين في وسائل الاعلام المحلية.

 

ما مصير المغيبين؟

ونشر عدد كبير من المدونين والصحافيين، تساؤلات عن مصير زملائهم المغيبين خلال الفترة القريبة الماضية، معتبرين ان حرية الصحافة في العراق معدومة، نظراً لما يواجهه الوسط الصحفي من كبت واضح للحريات. وتساءل اخرون عن مصير نتائج التحقيقات الخاصة باغتيال عدد من الصحافيين والاعلاميين، ابرزهم الشهيدان هادي المهدي وهشام الهاشمي.

فيما عبّر اخرون عن اسفهم لمحاولات الكتل السياسية المتنفذة، تمرير قوانين قد تسهم في انتهاك حق الصحفيين، مثل قانون الجرائم المعلوماتية، وقانون حرية التعبير عن الرأي، مطالبين بتأجيل هذه المشاريع الى الدورة المقبلة.

وانتقد عدد من العاملين في المؤسسات الاعلامية، تسريحهم من العمل بدون أي حقوق تذكر، مؤكدين أن المؤسسات الرقابية والنقابات، بعيدة عن مشاكلهم وهمومهم.