اعتاد قيس على تقبل تجاوزات بعض الزبائن وربّ العمل بشكل يومي، لأنه مضطر الى العمل لأجل ضمان تقاضي الـ 10 الاف دينار، في نهاية النهار. 

ووفقا لمعنيين فإن الحكومة لا تملك إحصائيات رسمية عن عمالة الاطفال في العراق.

فيما يشخّص ناشطون مهتمون بالطفولة، مخاطر ظاهرة عمالة هذه الفئة العمرية، والتي رهنوا استمرار ببقاء “عناصر الفساد السياسي في مراكز صناعة القرار”. 

 

تجنب الحديث عن الانتهاكات

ويتعرض الطفل قيس وسيم (15 عام)، الذي يعمل في محل تصليح اطارات السيارات، الى انتهاكات عديدة، من جانب رب العمل وزملائه العاملين، الذين يكبرونه بالسن، وايضا من الزبائن، لكنه تجنب الحديث على الانتهاكات التي يتعرض لها من قبل مسؤوله في العمل.  

ويأتي قيس الى العمل، صباح كل يوم، منذ 4 سنوات. ويقول لـ”طريق الشعب”، انه لا يحب المدرسة “بقدر ما احب العمل كبنجرجي”. 

ويتقاضى 10 الف دينار، أجرا عن عمله، الذي يبداً منذ الصباح الباكر وحتى المساء.

ويضيف الطفل، انه يتواجد هنا كل يوم في المحل “كي اتمكن من مساعدة عائلتي مادياً”. 

ولقيس أب معوق بنسبة بسيطة، يعمل سائق تكسي. عرفنا قصة عوقه من خلال ربّ عمله. 

يقول “والدي على قيد الحياة، ويعمل سائق تكسي. واخي الكبير يعمل ايضاً”.

ويضيف أنه يواجه “صعوبات كثيرة اثناء العمل. هناك اشخاص يأتون لتصليح اطارات سيارتهم، يعاملوني بسوء، ويصل الامر بهم الى التجاوز اللفظي”، لكنه مضطر للصمت بتوجيه من مسؤوله.

 

تراجع اخلاقي وتربوي!

وتقول أمينة شؤون المرأة في الاتحاد العام لنقابات عمال العراق، علياء حسين، لـ”طريق الشعب”، ان “عمالة الأطفال في العراق تشكل حالة من التراجع الإنساني والأخلاقي والتربوي، رغم وجود الثروات والإمكانيات”، وبالتالي فإن “كل ذلك يرسخ هذه الظاهرة التي نشاهدها بشكل يومي، وفي أماكن ومجالات ومناطق مختلفة من البلاد”. 

وتضيف أن “تاريخ هذه الظاهرة من حيث الاتساع والانتشار بدأ مع الحصار الاقتصادي الذي فرض على العراق، في تسعينيات القرن الماضي”، لكنها شهدت انتعاشا آخر في ظل نظام المحاصصة.

وتؤكد حسين أنّ الوزارات والمؤسسات الحكومية المعنية “لا تملك إحصائيات رسمية دقيقة، حول عدد الأطفال الذين يعملون في العراق”.

 

“أطفال القمامة”

وتوضح الناشطة النقابية، أن عمالة الأطفال تنقسم ضمن مجالات وأشكال مختلفة، بدءا بـ”أطفال القمامة” الذين يعملون في “مكبات النفايات”، حيث يستخرجون بعض المواد التي تستفيد منها معامل تدوير النفايات في إعادة تصنيعها، وصولاً الى العمل في المعامل الأهلية الصناعية التي تفتقد “الدور الرقابي” من قبل وزارات الدولة المعنية بظاهرة عمل الأطفال. 

وتشير الى ان بعض الأطفال يتواجدون كباعة جوالة في الأسواق، لبيع “أكياس النايلون”، فضلا عن تواجدهم في معامل “صناعة الطابوق” في منطقة النهروان في محافظة بغداد وغيرها، لافتة الى ان إشارات المرور تشهد اكتظاظا للأطفال الذين يتجولون بين العجلات لبيع “قناني الماء” و”المناديل الورقية” ومسح الزجاج. 

 

تأبيد سياسي لها؟

وتبين حسين أنّ مخاطر ظاهرة عمالة الأطفال وآثارها على المجتمع العراقي، تسعى “عناصر الفساد السياسي في القوى الحاكمة الى تأبيدها”، داعية الى “تشريع قوانين جديدة تحمي الطفولة في العراق من الاستغلال والعمالة”.

وتنصح علياء حسين بـ”إشراك وزارة التربية ضمن أدوار أساسية، تشمل التوعية والمتابعة بالنسبة للأهالي والأطفال الذين يتركون الدراسة”. 

 

خلل تربوي  

الى ذلك، يؤشر الباحث في الأنثروبولوجيا، علي بخت، عوامل عديدة تدفع الأطفال للالتحاق بسوق العمل، منها جوانب سياسية اقتصادية وثقافية واجتماعية. 

وأضاف بخت في حديث لـ”طريق الشعب”، ان الفلسفة التربوية التي تعتمد أسلوبا قديما “اصبحت غير محفزة” لجذب الاطفال دون خط الفقر، باعتبار الكثير من البلدان تعتمد “التحفيز المادي والمعنوي” لجذب الأطفال للدراسة. 

واستطرد بخت في قوله، ان “العديد من الحكومات في البلدان تخصص مكافآت مالية للطلبة الفقراء في حال نجاحهم من مرحلة الى أخرى. وبالتالي فإن الكثير من الطلبة تمسكوا بدارستهم كونها تمثل دخلا اقتصاديا لهم”. 

وبيّن ان كثيرا من العراقيين باتوا مقتنعين بأن مخرجات التعليم أصبحت لا تلائم حاجة سوق العمل. ونتيجة لهذه القناعة دفعت بأبنائها لترك الدراسة صالح العمل.  

وأشار الى ان من ضمن الاسباب التي أدت الى تفاقم ظاهرة عمالة الاطفال هو انتهاء وجود “المدارس المهنية” التي كانت تخرج الكثير من الحرفيين والمهنين في اختصاصات متعددة.

عرض مقالات: