يواجه الاتحاد العراقي لكرة القدم، والمنتخب الوطني وجهازه الإداري والفني، استياءً واسعا من أوساط رياضية ومختصين، على أثر النتائج المحبطة، التي جعلت الفريق العراقي في ذيل القائمة الدولية التي تتنافس فرقها على التأهل إلى بطولة كأس العالم في قطر.

وحمّلت أطراف واسعة نظام المحاصصة والمحسوبية مسؤولية ما تتعرض له الرياضة حاليا من فشل، مُنّيت به على مختلف الأصعدة. وفي مقدمتها المنتخب الوطني لكرة القدم.

هل للمحاصصة دور؟

وشنّت الجماهير الرياضية عبر منصات التواصل الاجتماعي، هجوما غاضبا على الجهاز الإداري والفني ولاعبي المنتخب الوطني بعد العثرات الكثيرة التي رافقت أسوأ أداء للمنتخبات العراقية منذ سنوات، فيما لامت الاتحاد العراقي على ما يجري من تخبط.

وتراجع العراق في ترتيب مجموعته التي تضم كلا من كوريا الجنوبية، إيران، الإمارات، سوريا ولبنان، إلى المركز ما قبل الأخير، بعدما تعادل ثلاث مرات وخسر بنتيجة ثقيلة أمام الإيرانيين. فيما ينتظر مباراته المرتقبة مع سوريا.

وشهدت جميع المباريات أسوأ نسخة كروية للعراق منذ سنوات، فلم يتمكن المنتخب من التسجيل سوى بشباك الإمارات، ولم يحافظ على الفوز في آخر دقيقتين.

ووجهت الأوساط الرياضية أصابع اللوم إلى المستوى المتردي للاعبين، كما أكدت أن ما يجري للمنتخب هو انعكاس واضح لنظام المحاصصة الطائفية الذي أصبح يلقي بظلاله على الرياضة. وأظهرت تصفيات كأس العالم ومقارعة المنتخبات الأخرى أزمة العراق والكارثة التي تحيط برياضته.

ومنذ المباراة الثانية التي شهدت خسارة ثقيلة بثلاثة أهداف أمام إيران، انطلقت حملة جماهيرية تحت عنوان “المنتخب لا يمثلني” تداولها الكثير من الشباب والمتابعين على نطاق واسع، ما دعا أطراف رياضية محايدة لأن تدعو للتهدئة وعدم التخلي عن المنتخب، أثناء هذه الظروف العصيبة.

وتحدث المدون عثمان أسامة، مدير إحدى المجاميع الرياضية المعروفة على موقع فيسبوك، عن أسباب هذه الحملة ورؤية الجمهور الرياضي لأداء المنتخب، قائلا: إن الجماهير “سئمت من النتائج المخيبة والاستهتار الذي ظهر عليه لاعبو المنتخب في كل المباريات. إنّ المنتخب الوطني لا يضم لاعبين يتنافسون على المراكز، وجعل الموجودين غير آبهين بما يجري، فعلى سبيل المثال لدينا اللاعب علي عدنان يلعب مدافعا على الجانب الأيسر، ولا يوجد بديل له، وهو بلا نادي منذ شهور. وفي الدفاع أيضا على جهة اليمين، يتمتع اللاعب علاء مهاوي بأفضلية عدم وجود بديل مكانه، ولأن المدرب أدفوكات لم يكن مقتنعا بأدائه في أول مباراة، جعل اللاعب شيركو كريم يأخذ مكانه بطريقة غريبة؛ إذ حوّله من مهاجم صريح إلى مدافع يمين ليعود للاعتماد على مهاوي مجددا”.

وأضاف أسامة “لا يملك المنتخب مهاجما، فبعد إصابة المهاجم مهند علي، وعدم استدعاء علاء عباس، لا يملك الفريق سوى أيمن حسين الذي سيحرم من المباراة القادمة لأنه نال بطاقة صفراء أمام منتخب الإمارات بعد نزع قميصه فرحا بالتسجيل، بطريقة غير مسؤولة ومستفزة جدا”، لافتا إلى أن “الجماهير لم تعد تحتمل ما يجري، وترى أن المجاملات والمساومات والعلاقات هي ما تتحكم بالمشهد”.

مدرب لا يأتي الى العراق؟

وبعد الاستغناء عن خدمات المدرب السلوفيني كاتانيتش، لم يختلف الحال عن خلفه الهولندي ديك ادفوكات. كما تسربت أخبار كارثية تفيد بأن الأخير اتفق مع الاتحاد على عدم الحضور إلى العراق والتحاقه بالمنتخب فقط عند موعد المباريات.

ولم يصدر الاتحاد العراقي أي توضيح حول ذلك، فيما بينت المجريات بأن هذا الاتفاق صحيح، لأن المدرب غائب رغم أن عقده السنوي يتجاوز المليون دولار.

وفي تصريح صحافي للاعب الدولي السابق، جبار هاشم، استغرب من غياب المدرب الذي تحتم عليه واجباته أن يكون حاضرا في العراق، ويتابع اللاعبين ومسابقة الدوري، ويقدم النصائح والمشورة حول تطوير اللعبة وتوجيه فوائدها نحو بوابة المنتخبات الوطنية.

وبحسب ما يتداول حاليا بين الأوساط الرياضية ومدربين محليين، فإن المدرب الهولندي يعتمد على المراسلات لمتابعة اللاعبين، وشكّل لجنة لرصد المواهب في فرق الدوري، لكن الغالبية لم يحملوا المدرب مسؤولية ما يجري، ورهنوا المشكلة في طبيعة العقد الذي أبرمه الاتحاد معه.

تشكيلة مضطربة

وتحولت خيارات المدرب للاعبين في كل مباراة إلى قضية جدلية، لأنها لا تضم أبرز الأسماء الاحترافية التي عرفها المنتخب؛ ففي الكثير من المباريات، غاب اللاعبون المغتربون الذين يلعبون في أندية أوروبا عن تشكيلة المنتخب الأساسية، فأمير العماري الذي يعتبر أفضل لاعب خط وسط حاليا لم يأخذ فرصته. في حين وصل الحال باللاعب جستن ميرام المحترف في الدوري الأمريكي لأن يعلن بأن هناك مجموعة تحارب المغتربين داخل المنتخب وتعهد بكشف كل التفاصيل عبر بث مباشر. وبالفعل ظهر ميرام في لقاء تلفزيوني وقال أن الذين أشرفوا على تدريبي في المنتخب أفضل من أدفوكات بعشر مرات. وأكد أنه يعاني من التمييز بالتعامل من قبل إدارات المنتخب الفنية والإدارية السابقة، وكان يتمنى أن يتغير الحال. وحمل اللاعب مسؤولية هبوط المستوى الفني للمنتخب إلى المدرب الحالي، وأكد أنه لا يوجه اللاعبين بمهامهم ولا يتحدث معهم حتى خلال التمرينات، معلنا عن اعتزاله اللعب للمنتخب لأنه غير قادر على تحمل ما يجري.

 أما جيلوان حمد، محترف غوريكا الكرواتي، فعلق على ما يجري في المنتخب بقوله: “أتطلع للعب مع المنتخب العراقي، لكن مبادئي لا تسمح لي بقبول الوضع الحالي فيه، ويؤلمني أن أرى المنتخب وهو يفشل لأن جماهير العراق تستحقّ الأفضل. أريد أن يضمّ المنتخب لاعبين يُختارون بناءً على قدراتهم ومساهماتهم في المنتخب، وتمت دعوتي لمباراتي كوريا الجنوبيّة وإيران، إلّا أنّ الدعوة أُلغِيت في اللحظة الأخيرة”. وتواصلت الأسئلة أيضا عن اللاعب المحترف أحمد ياسين، والمدافع ربيبنسولاقا المحترف في نادي بوريرام يونايتد التايلندي الذي أدعى الإصابة، ولم يلتحق بالمنتخب لكنه ظهر في مباراة ناديه بعد يومين، ما استدعى المدرب الهولندي بالإدلاء بتصريحات قوية ضده.

ظاهرة تزوير الأعمار

وتحدث مدرب محلي عن تفشي ظاهرة تزوير أعمار اللاعبين بسبب الانفلات الذي يشهده العراق والتخبط والمحسوبية التي أنتجتها المحاصصة الطائفية.

وذكر المدرب الذي فضل عدم الكشف عن أسمه، أن “ظاهرة تزوير أعمار اللاعبين ما زالت تفرض نفسها على الكرة العراقية حتى الآن من خلال وجود لاعبين يلعبون في غير أعمارهم، وهو الأمر اللافت للنظر في معظم مسابقات الناشئين. حتى هذه اللحظة لم ينجح المسؤولون عن الكرة في القضاء على هذه الظاهرة وإيجاد حلول لاكتشافها مبكرا، خاصة أن الأمر أصبح أحد أركان الفساد في الرياضة”.

وتابع المدرب في حديث لـ”طريق الشعب”، قائلا: “لا بد لاتحاد الكرة من إيجاد حلول جذرية وسريعة لتلك الأزمة المستفحلة والتي ستؤدي الى انهيار اللعبة. إن التزوير هو السبب لما وصلنا إليه، ومثلما يجري الحديث عن ملف تزوير الشهادات وغيره، لا بد من الالتفات إلى استفحاله في القطاعات الرياضية”، مردفا أن “الكثير من لاعبي المنتخب أعمارهم غير صحيحة، لذلك نرى تراجع مستوياتهم، فضلا عن عدم استقدام أسماء جديدة تنافسهم والأسباب كثيرة، من بينها فقر الدوري العراقي والفساد. يجب أن تكون لجنة الانضباط حاسمة بقراراتها، لأنها في الموسم الماضي تجاوزت الكثير من العقوبات بعد ثبوت تزوير بعض المدربين في دوري الشباب والناشئين”.

وقدّم المدرب مجموعة من المقترحات العلاجية لوضع الكرة العراقية، داعيا اتحاد الكرة الى النظر فيها مثل “الإسراع في إجراء الإصلاحات الموعودة للمنتخبات الوطنية، توسيع دائرة البحث عن اللاعبين المغتربين والمواهب الصغيرة وعدم اقتصارها على قارة واحدة، تحديد واجبات مشرفي المنتخبات (أعضاء الاتحاد) بشرط أن لا تتعارض مع مهام المدراء الإداريين، ويجب أن يكون المشرف هو نفسه رئيس الوفد دون الحاجة إلى إرسال عضو آخر، حفاظاً على المال العام، الإسراع في إعادة تقييم وهيكلة اللجان،

تغيير كوركيس وقرارات إدارية

وفي وقت لاحق، قرر المكتب التنفيذي لإتحاد الكرة تسمية غيث مهنا مديرا إداريا للمنتخب خلفا لباسل كوركيس. وقرر أيضا الابقاء على رحيم حميد مساعدا للمدرب وحل جميع اللجان في الاتحاد العراقي، فضلا عن قراره بحل المكتب الاعلامي ومنسقي المنتخبات الوطنية، وإلغاء منصب المشرف على المنتخبات.

ومن الجدير بالذكر، إن قائمة المنتخب لمباراتي سوريا وكوريا الجنوبية القادمتين، ضمت اللاعب إقبال زيدان المحترف في صفوف رديف نادي مانشتر يونايتد الانكليزي، ما جعل الكثير يعتقدون بأن الكادر التدريبي أدرك أن الاعتماد على المحترفين هو الحل الوحيد لمعالجة الموقف الحالي وانتشال المنتخب من ترتيبه المخجل بين فرق ليست بالقوية.