تحدث عدد من الطلبة الذين انخرطوا في الحراك الطلابي خلال انتفاضة تشرين وبرزوا في قيادته، عن التجارب الثرية التي مرّوا بها، والمكاسب التي حققوها على أثر حراكهم، الذي اعتبرته أوساط عديدة هو قلب الانتفاضة النابض، وروحها الفتية. 

ونوّه الطلبة بتجربتهم في الإضراب الشامل عن الدوام، والمسيرات الضخمة التي جالت شوارع المدن وهي ترتدي اللون الأبيض.

أسباب التظاهر كثيرة

ويتحدث طالب الدراسات العليا في جامعة بغداد، قصي الزهيري لـ”طريق الشعب”، عن أهمية هذا الحراك على الصعيد الاجتماعي والسياسي، والدور المشرف الذي لعبه في مواجهة القمع الدموي الذي لم يستثن أي أحد كان يتواجد في ساحات الاحتجاج.

ويقول الزهيري “رأي الطلبة في الوضع السياسي ليس جديدا على المشهد. أن تداعيات نظام المحاصصة السيئ والكوارث التي تسبب بها كان الطلبة يدفعون ضريبتها لسنوات طويلة. ان التعليم في وضع مزرٍ، والجامعات بعيدة جدا في ترتيب الرصانة العلمية، وتحولت الكثير من المرافق الدراسية إلى مراكز حزبية وطائفية لسنوات مضت. ولهذا، فأن دخولنا لهذا الميدان ليس عن طريق الصدفة، لأننا في قلب الحدث ومتضررون جدا، كما لا بد من القول بأن العراق لديه تأريخ عريق في مواجهة الطلبة للأساليب القمعية والمشاركة في الانتفاضات الشعبية”.

ويتابع الزهيري “كان الحراك الطلابي منشغلا بالعمل حتى قبل انتفاضة تشرين، ويمكن أن يلمس ذلك من خلال انطلاق شرارة القمصان البيض قبل أكثر من خمس سنوات، وما تلا ذلك من أحداث مدوية في جامعات واسط والمثنى والقادسية. كانت هذه الأحداث بداية للحراك الأبيض وإشارة واضحة إلى أن الوضع الجامعي ليس ببعيد عن الواقع السياسي أبدا”، مضيفا “أن الأحزاب المتنفذة جعلت من المؤسسات التعليمية ميادين لتقاسم المغانم والنفوذ، ما جعل جامعاتنا تدار من قبل أشخاص لا يملكون أي كفاءة، وتسببوا نتيجة ذلك في تدهور نظام التعليم وغياب الرصانة العلمية، وسط نفوذ الجهات المسلحة في الأوساط الجامعية وسيطرتها على مفاصل مهمة كالأمن الجامعي الذي يتبع أغلب عناصره لها، وتمارس الدور البوليسي والقمعي ضد الطلبة”.

تجربة طلابية فريدة

وفي سياق متصل، يرى الطالب في الجامعة العراقية، مهند رافد، أن انتفاضة تشرين فتحت الأبواب على مصراعيها لتجارب شبابية ونسائية فريدة، ومثل ذلك وأكثر كان بالنسبة إلى الطلبة المنتفضين.

ويقول رافد لـ”طريق الشعب”، أن “أسباب التظاهر كثيرة جدا، لكن أبرزها هو المصير المجهول الذي ينتظر الطلبة، والبطالة التي تغرقهم في بحرها سنويا، دون أي تخطيط أو اهتمام. بل راح المسؤولون ينفون وجود أي بطالة أو فقر وهذا الأمر كان مستفزا جدا ومدمرا لمشاعر شريحة كبيرة مظلومة”، مضيفا “دفع المتنفذون من حيث لا يدرون بالطلبة إلى المعترك السياسي، وبسبب فشل النظام السياسي الحالي في توفير فرص عمل او وظائف واعتمادهم على منهج المحاصصة الطائفي في طريقة إدارة الدولة وسيطرة المحسوبية والواسطة على اغلب مفاصل مؤسسات الدولة، اندلعت شرارة الحراك الطلابي الذي دعا بوعي عال إلى تحقيق العدالة الاجتماعية ووضع المواطنين من أصحاب الخبرة والنزاهة في الأماكن الصحيحة لإنصاف العاطلين والطلبة الذين يتطلعون لحياة نظيفة من خراب الفاسدين”.

ويتابع قائلا أن “الظروف الاجتماعية والسياسية التي يمر بها العراق، عجّلت من دخول الطلبة بشكل فاعل في الانتفاضة رغم التهديدات والتضييق الذي تعرضوا إليه من قبل إدارات الجامعات والأمن الجامعي والقوات الأمنية، بل وحتى المليشيات المسلحة”.

من جانبها، تؤكد الطالبة في جامعة بغداد هبة أثير لـ”طريق الشعب “، أن “الوضع المأساوي الذي نعيشه، ورغبتنا في وجود وطن يحترم فيه الإنسان ويوفر الحقوق الأساسية للموطن، دفعنا إلى المشاركة في الانتفاضة”.

وتكمل أثير قائلة “كان للطلبة دور بارز في الانتفاضة رغم التهديدات بالفصل من قبل الجهات المعنية، والمغريات التي تم تقديمها للطلبة من قبل أحزاب او شخصيات سياسية وصولاً الى الاعتداء الذي تعرضنا اليه في ساحة التحرير”، لافتة إلى أن “المطالب الرئيسة للطلبة تنص على تحقيق التغيير الشامل، وتخليص البلد من المحاصصة والتفرقة والعنصرية والتوظيف الطائفي للحصول على المكاسب والنفوذ”.

شيء جديد في المجتمع

الطالب في كلية الفنون الجميلة/ جامعة بغداد، قتيبة خلدون، يرى أن “المطالب التي دعا الطلبة إلى تحقيقها، عالجت بوضوح قضايا وطنية حساسة، كالنظام السياسي والاقتصاد والتبعية إلى دول الخارج. أما مشاركتهم فقد جددت الحيوية للساحات التي كانت تستنجد بهم بين فترة وأخرى، حتى تحول الموج الطلابي إلى شيء مرعب للفاسدين، وامتاز بروح مدنية سلمية وحضور مميز للطالبات والكثير من الأساتذة”.

ويتابع خلدون أن “الإضراب الطلابي كان هو السند الحقيقي للانتفاضة رغم أساليب القمع التي انتهجتها الحكومة المستقيلة الفاسدة ضد الطلبة. وأن المسيرات الطلابية أعطتها حجمها الطبيعي، وأنهت هالة القداسة التي كانت تحيط بها عبر الشعارات الكاذبة كحماية الدين او المذهب والعقيدة، لأنها سرعان ما تورطت بقتل الكثيرين، ولم يسلم منها حتى الذي كان يتعاطف معها وخرج إلى التظاهر. مثبتة بذلك أنها لا تفرق بين أي عراقي أو آخر، وتقمع الجميع ما داموا يطالبون بانقاذ الوطن وهز عرش الفاسدين”.

وعلى صعيد متصل، توضح الطالبة في كلية التراث، نور علي لـ”طريق الشعب”، أن “الوضع العام للبلاد سيئ فالأحزاب المتنفذة تتقاسم كل شيء، وسط انتشار السلاح السائب وشرعنة عمل المليشيات والفساد المستشري في مؤسسات الدولة، حتى حانت لحظة انطلاق الانتفاضة التي ساندتها في البداية من خلال مواقع التواصل الاجتماعي”.

وتبين علي، أنه “خلال هذه التجربة اكتشفت وجود الكثير من المواطنين المتذمرين من الوضع ويطمحون في إقامة دولة مدنية ديمقراطية، بعيدا عن الاحزاب الطائفية، وهنا بدأنا تشكيل مجاميع (كروبات) على مواقع التواصل الاجتماعي من اجل توحيد المطالب والاتفاق حول موعد التظاهرات”، مضيفة أنه في “الوقت الذي بدأت القوى المتنفذة باستهداف الناشطين من عمليات قتل واختطاف واعتقال وتغييب، اصبحت أمارس دورا اكثر مسؤولية من خلال نقل اخبار الانتفاضة بشكل عاجل، قبل ان أنتقل الى العمل الميداني في ساحة التحرير من خلال تقديم الاسعافات الاولية للمتظاهرين”.

وتروي الطالبة تجربتها في المسيرات الطلابية، وهي تؤكد “اكتشفت حجم المسؤولية التي تحملها زملاؤنا الطلبة تجاهنا من خلال توفير الحماية لنا اثناء الاعتداءات التي تعرضنا اليها او حتى في عملية تأمين وصولنا ومغادرتنا الساحة”، مبينةً ان “الانتفاضة وفرت بيئة اجتماعية جديدة غيرت من واقع العلاقات الاجتماعية، وعززت من الثقة داخل العوائل”.

فشل السلطة 

من جهته، يعلق الطالب في كلية القانون بجامعة ذي قار، سجاد مهدي على محاولات الجهات الفاسدة، إبعاد الجامعات عن المجتمع وعزله، والفشل الذي منيت به، لأن الأمر كان مستحيلا، وحدث في المقابل ما يخالف توقعاتها.

ويبين مهدي انه “من الناحية الأكاديمية والتجارب العلمية فإن أغلب الجامعات العالمية الرصينة هي ما تساهم في إيجاد حلول للمشاكل الاجتماعية والعلمية التي تعاني منها بلدانها، علما أن نظام المحاصصة اعتبر التعليم شيئا ثانويا وخفّض الإنفاق الحكومي في الموازنات السنوية للتربية وللتعليم”، لافتا إلى أن “ابرز المطالب المهنية التي يجب على الدولة الالتفات اليها، هو فسح المجال امام التنظيمات الطلابية المهنية داخل الجامعات، وتحديث المناهج الدراسية، وتطوير المختبرات، وتغيير طرق التدريس، فضلا عن تخفيض الاجور الدراسية في التعليم المسائي والاهلي والموازي”.

ولفت مهدي إلى أن “ثورة القمصان البيض، فتحت ملفات التربية والتعليم وسلطت الضوء عليهما لتتكشف الحقائق التي أحرجت بفداحتها الوزارة والمسؤولين والجهات التي تقف خلفهم”.