تحدث ناشطون في الاحتجاجات، يوم أمس، عن المنجزات التي حققتها انتفاضة تشرين والتأثير العميق الذي تركته عند أعداد كبيرة من المواطنين. وفيما قيّموا هذه التجربة المليئة بالأحداث والتحديات الجسيمة، كشفوا أيضا عن نقاط اشكالية رافقت عمل المنتفضين تتعلق بمحاور عديدة، داعين إلى التوسع بدراسة نقاط القوة والضعف للحراك الجماهيري بروح بناءة لأن أسباب التظاهر ما زالت قائمة، وتتطلب العمل والتنظيم والاستفادة من العثرات السابقة.

إرباك كبير

يقول الناشط المدني، مازن محبوبة لـ”طريق الشعب”، ان “انتفاضة تشرين تمكنت من إحداث إرباك كبير في المشهد السياسي العراقي، وولدت ضغطا هائلا أرعب الأحزاب المتنفذة. ومع هذا لا بد من تشخيص الأخطاء التي وقع فيها المنتفضون، خاصة ان أسباب اندلاع احتجاجات ما زالت موجودة”، مشيرا الى ان “شعار انتفاضة تشرين (نريد وطن) هو فكرة عظيمة، لا بد من استمرارها وترسيخها في عقول المواطنين، لكونها احدثت فرقا كبيرا في طريقة تفكير المجتمع، بعيدا عن الشعارات الفئوية والمذهبية التي جرت عليها العادة”.

ويضيف محبوبة ان “الأحزاب المتنفذة الحاكمة مرعوبة من شعارات تشرين لكونها ذهبت لأبعد من الشعارات السياسية، وبدأت تذهب نحو مطالب اجتماعية واقتصادية اكثر عمقا دقت أسس النظام الطائفي الهشّ”، منوها  بـ”ضرورة تصفير المرحلة الحالية، وطرح مفاهيم جديدة وتقييم الخروقات من اجل إعادة البريق للانتفاضة، وابعاد بعض الناشطين الانتهازيين والاعلاميين الذين لعبوا دورا سلبيا من خلال تدخلهم في قضايا خارج اختصاصهم”. 

الحذر من صناعة المقدس

يؤكد الناشط، ان “تشرين بحاجة الى ثورة على نفسها من اجل عدم السماح بصناعة مقدس اخر، كانت هي اول من رفضته”، معللا عدم توحد القوى الاحتجاجية بفقدانها النشاط الثوري الذي بإمكانه قيادة الجماهير دون الانجرار نحو شعارات فضفاضة”. 

ويشدد على “ضرورة استمرار الضغط الجماهيري من اجل تولي الرقابة على أداء الأحزاب التشرينية وغيرها من الأحزاب وتقويم العمل وتشخيص الأخطاء”، مبينا ان “استمرار الفعل الاحتجاجي يشعر الأحزاب الفاسدة بخطر، ويوجه رسالة للدول التي تتدخل في شؤون العراق بان هناك رفضا شعبيا لهذه الأفعال”.

عدم وضوح الرؤية

بدوره، يستشهد الناشط المدني زين العابدين محمد في احداث ثورة الياسمين التي أطاحت بالرئيس التونسي الأسبق زين العابدين بن علي، بالقول: ان “السبب الذي افقد المنتفضين المبادرة في ادارة شؤون الحكم والمحافظة على صدارتهم في المشهد السياسي، هو عدم وضوح الرؤية لديهم، وعدم ابراز قيادة منظمة تستطيع أن تكون مفاوضا حقيقيا لتلك الجموع التي خرجت، وأربكت المشهد السياسي، لذلك كان النصيب القوي بعد الثورة هو للقوى السياسية المنظمة مثل حركة النهضة الاسلامية، وحزب المؤتمر”، مشيرا الى ان “انتفاضة تشرين وجّهت ضربات الى عمق المنظومة السياسية، وأربكت المشهد العراقي على الصعيد السياسي والاقتصادي والاجتماعي، لكنها كانت كالشعلة التي التهبت، وسرعان ما تدارك اقطاب النظام الفاسد الملطخ بدماء الابرياء لهيب الشعلة هذه، واستطاعوا من ان يبقوا لهيبها محدودا”.

ويقول محمد لـ”طريق الشعب”، ان “الجموع التي خرجت في تشرين الاول من العام 2019 لم تكن واضحة الرؤية، في بداية الأمر تجمعها العموميات التي يتفق عليها ربما حتى الفاسدين ومراكز القوى التي تدير السلطة في العراق”.

اختراق الاحتجاجات

ويضيف محمد، ان “القوى المتنفذة استطاعت اختراق الحركة الاحتجاجية وزج عناصرها التي كانت تقف بالضد من اي بادرة تنظيم من داخل مخيمات الاعتصام، مراهنين على عامل الوقت والملل من خلال التسويف والمماطلة في حلحلة الازمة المعقدة التي وضعوا بها”، مؤكدا ان “هناك جموعا تقودها اهواء غير واعية سياسيًا وتسيطر عليهم النرجسية الثورية التي كانت احد معوقات التقدم، وبنفس الوقت كانت السلطة واحزابها وميليشياتها الاعلامية والمسلحة تعمل على فتح ساحات صراع جانبية بعيدة عن المعركة الاساسية التي خرجت من اجلها الجماهير المطالبة بالتغيير والاصلاح ومنها قضية تشكيل الحكومة الجديدة واختيار خليفة لرئيس الوزراء المستقيل عادل عبد المهدي”.

وينوه الناشط الى “ضرورة تفعيل دور النخب الثقافية والسياسية التي لم يكن لها دور واضح، لا في فترة الاحتجاجات ولا بعدها ما تسبب بترك الساحة للمفاهيم الشعبوية المتداولة في الجدالات السياسية التي تكاد تصبح مفاهيم راسخة تكتسب مرحلة المسلمات”، مشددا على “ضرورة تفكيكها وإنتاج طروحات تستطيع ايقافها وتقديم البديل المفاهيمي للرأي العام، والتخلي عن التسطيح الفكري في التعامل السياسي”.

مشكلة بنيوية

ويعتقد محمد ان “مشكلة النظام السياسي في العراق هي مشكلة بنيوية مركبة تحاول تصدير نموذج مشوّه لطريقة إدارة الدولة وللديمقراطية”، ويضيف ان “القائمين على النظام السياسي لا يؤمنون بالديمقراطية. ومن غير المعقول لاي نظام ديمقراطي ان يقبل بحماية السلاح المتمرد على القانون والدولة”.

ويبيّن ان “قوى تشرين لا بد لها ان تعي أن المشكلة اليوم ليست في اصلاح اعوجاج معين في مسيرة النظام هذا لأنه وببساطة نظام بني على اساس هش وغير متماسك وتحت ضغط الاحتلال والجهات ذات الهويات الفرعية التي كانت تريد أن تضمن اكبر قدر من النفوذ على حساب الوطن والوطنية، وهذا ما لفظته تشرين التي كانت قد خرجت بمفهوم عابر للهويات الفرعية، وطالبت بترسيخ الهوية الوطنية، وإعلاء شأنها على الهويات الفرعية”.

ويختم محمد حديثه بالقول: ان “طريق النضال طويل، وعلى العراقيين جميعا الانخراط فيه ليكونوا قادرين على انتزاع العراق من تلك الايادي التي لا ترى فيه سوى غنيمة يجب سرقتها”.

اختراق الحركة الاحتجاجية

من جانبها، تعتقد الناشطة المدنية ايناس جبار في حديث لـ”طريق الشعب”، ان “غياب القيادة الموحدة، ورفع شعارات فضفاضة، عطلت كثيرا من عملية تحقيق مطالب المحتجين”، مشيرة الى ان “كون اغلب المشاركين من الشباب تنقصهم الخبرة السياسية، وتملك بعضهم الأنا ما منع توحيد جهود المحتجين في وجه قوى السلطة الغاشمة”.

وتضيف جبار، ان “بعض المحتجين الذين تعاونوا مع الحكومة من اجل تفكيك الاحتجاجات ورفع الخيم وتغيير مسار الانتفاضة، اسهم بشكل مباشر في إضعاف الحركة الاحتجاجية وتفتيتها في ما بعد؛ حيث سعى هؤلاء الى تشويه سمعة الاحتجاجات”، مشيرا الى ان “التهديدات والاعتقالات والاغتيالات كانت سببا رئيسا في فتور وابتعاد عدد ليس قليلا، عن الحركة الاحتجاجية”.

وحول وضع النساء، تجد جبار أن “اغلب النساء المشتركات في الأحزاب الناشئة لا يستطعن التواجد في محافظاتهن ومهجرات في محافظات أخرى”، مؤكدة ان “هذه العملية أثرت بشكل كبير على النشطاء، وستكون له عواقب كبيرة في المستقبل”.