أنتجت انتفاضة تشرين التي يحتفل المنتفضون هذه الأيام بالذكرى الثانية لولادتها، متغيرات عديدة في المشهدين السياسي والاجتماعي؛ فرموز قوى المحاصصة والطائفية التي كانت تدفع بالبلد نحو الهاوية، تلاشت مكانتها، وخسرت الكثير أمام لحظة الوعي الوطني الماثلة إلى الآن. وتحول الحدث التشريني إلى موقف شعبي مؤثر، له جمهوره الواسع الرافض لما يجري، فيما أصبح الحديث عن الفاسدين والمتورطين في خراب البلد صريحا، دون أي خوف أو تردد من قبل المتظاهرين والشباب الذين كانوا المحرك الرئيسي لهذا الحدث الكبير.

عار الفاسدين سيلاحقهم

18 عاما، والقوى المتنفذة التي مسكت زمام السلطة كانت تردد الخطاب المستهلك الذي سئم العراقيون منه. فلم يكن الوطن وفق سلوكها السلطوي سوى مجاميع مقسمة طائفيا وقوميا، لا بد من توجيهها حسب الحاجة. أما شعارات العدالة والدفاع عن حق المواطنين، وتخليصهم من ضيم الدكتاتورية الزائلة، فسرعان ما سقطت وتلاشت في اختبار مواجهة المغريات والإثراء السريع، بل راحت هذه القوى تمارس القمع بمنهجية مقيتة للدفاع عن مصالحها غير آبهة بمصير البلد والحال البائس، الذي وصل إليه، وهو يسجل أعلى مستويات الفقر والبطالة والتخلف الذي أطاح بالاقتصاد وبقية المجالات. هكذا يمكن تلخيص رؤية المجاميع المليونية التي خرجت منتفضة في تشرين الأول من عام 2019 وهي ما زالت تقول ذلك حاليا، خلال إحيائها الذكرى السنوية الثانية للانتفاضة.

المتظاهر الشاب أمير علي، يرى أن خطاب المظلومية والدفاع عن الوطن والاعتزاز بالدور السابق للمعارضة للدكتاتورية الذي تتعكز عليه الأحزاب والقوى التي تورطت بالفساد، أصبح محط سخرية لدى المواطنين، لأن العقلية السياسية التي أظهرتها بعد التغيير أوضحت خلاف ذلك تماما من خلال فسادها وقمعها لأي شكل من أشكال الاحتجاج أو الاعتراض السلمي على ما تقوم به. ويبيّن الشاب الذي تعرّض إلى الضرب المبرح خلال مشاركته في تظاهرات تشرين 2019، أن موقف القوى المتنفذة المخزي والمشين من الانتفاضة، أسقطها بشكل مدوي، وأجبرها على الانهزام أمام المجتمع وخسارة الرأي العام والكثير ممن كانوا يتعاطفون معها، فضلا عن إسقاط الحكومة التي دافعت عنها رغم القتل والإبادة التي مورست بحق المنتفضين.

ويتابع علي قائلا لـ”طريق الشعب”: “حاولت أحزاب السلطة والميلشيات المسلحة أن تربك العقل الاحتجاجي، واستخدمت أبشع أنواع القمع، لكنها لم تكن تعلم بأن هذه الأساليب ستنتج وعيا عاليا ومسؤولية وطنية لرفض الواقع البائس ونظام المحاصصة والخطاب الطائفي. لقد كانت هذه القوى مرعوبة أمام لحظة وعي وطنية لم يشهدها العراق طيلة تأريخه، لذلك كانت ردت فعلها ساذجة وكبدتها خسارة فادحة لم تقلل ضررها كل المغريات والتشويه الإعلامي الذي مارسته محطاتها الفضائية ومنصاتها الالكترونية الصفراء”.

تفكير جديد للعقل الجمعي

وفيما يخص المتغير الكبير الذي طرأ على المجتمع وطريقة تعاطيه مع الشعارات السابقة للقوى المتنفذة، يشدد أحمد حمزة (خريج قسم علم النفس في الجامعة المستنصرية) على أن الوعي الجمعي تعرض إلى صدمة كبيرة في لحظة تشرين الحاسمة، وأصبح الآن وكأنه يترجم المسيرة الطويلة للاحتجاجات في العراق منذ عام 2011؛ فالشباب لم يكن يهمهم المصير الذي ينتظرهم في ساحات الاحتجاج لأنهم يموتون أكثر من مرة يوميا بسبب التهميش والظلم والبطالة.

ويركز حمزة خلال حديثه مع “طريق الشعب”، على ضرورة “تجاوز المواقف المشينة للقوى المتنفذة، فهذا الأمر أصبح واضحا وجليا. المهم الآن أن هذا التحول المجتمعي في طريقة التفكير يجب تنظيمه وقولبته في إطار وطني يكون مساهما أساسيا في إحداث التغيير، لأن الأزمة لم تحل وهناك جولات جديدة سيشهدها العراقيون في مواجهة من يريد التمسك بموقعه ومنافعه بأي طريقة كانت”، مضيفا “رغم كثرة الآراء والتوجهات والتناقضات داخل الاحتجاجات، إلا أنها تتفق جميعا على أن هذا النظام فاسد وقواه المتنفذة مدانة ولا مكان لها في مستقبل البلد، وأبرز ما يمكن ملاحظته هو المقاطعة الواسعة للانتخابات والتراجع الكبير في أصوات القوى الفائزة والخاسرة على حدٍ سواء. هذا هو المهم وهذا ما يجب أن يكون في حسبان المنتفضين وتحويله إلى بطاقة رابحة لأن العمل على قلع الفساد، يتطلب ترك المشاعر جانبا، وخوض النزال بطريقة عقلانية وعبر الحوار الشامل”.

وتتحدث الأرقام الرسمية عن “استشهاد قرابة 560 مواطنا خلال الاحتجاجات، فيما يقول ناشطون في مجال حقوق الإنسان أن العدد يصل إلى اكثر من 800، فضلا عن عمليات الخطف والتغييب والتهديد والإصابات التي قدرت بأكثر من عشرين ألف حالة”. 

وبالعودة إلى حمزة، فأنه يرى أن النظام الحالي عاجز عن حل مشاكله، وهي ستتفاقم أكثر فأكثر، لأن الذي غرق بالفساد وتطارده ملفات القتل والجرائم لا يمكن له سوى أن يتمادى لأطول فترة ممكنة لحماية نفسه وموقعه. هذا ما يجعلهم يعتقدون بأن السياق الرمزي للانتفاضة هو أمر خطير عليهم.

مواجهة في لحظة عسيرة

وما يميز انتفاضة تشرين الباسلة أنها جاءت في لحظة كانت القوى المتنفذة وأذرعها المسلحة تتمتع بأقصى درجات النفوذ والقوة، لكن المنتفضين حطموا هذه النمطية وكسروا حاجز الخوف، بل حولوا الأسماء المخيفة للمتنفذين إلى مصدر للسخرية والانتقاد العلني، حتى باتت عمليات التهديد لا تجدي نفعا معهم. بهذه الطريقة يوصف الناشط محمد القريشي لحظات الانطلاقة للانتفاضة. 

أما القضية الثانية بحسب القريشي الذي نشط في احتجاجات كربلاء، فأنها تتعلق برفض المنتفضين العمالة التي أصبح عدد هائل من المتنفذين يجاهرون بها دون أي تردد. وجعلوا بتظاهراتهم السلمية القضية الوطنية قبل كل شيء ونددوا بالأجندات الخارجية التي عاثت في البلد. بل وطالبوا بقضايا جوهرية مثل إصلاح النظام التعليمي وإعادة النظر بملف الاقتصاد وفتح ملفات الفساد كافة. يمكنني القول بأن الجيل الذي خلقته الانتفاضة من الطلبة والشباب، هو بذرة طيبة سيحصد العراق ثمرتها في قادم الأيام.

ويؤكد القريشي لـ”طريق الشعب”، أن الغضب الاجتماعي لم يكن بسبب هذا الخراب وحده، بل بسبب خذلان هذه القوى للمواطنين الذين منّوا النفس بأن يكون لهم وطن آمن يحترم حقوقهم بعد فترة عذاب عاشوها تحت حكم النظام البعثي المجرم. أن ما قامت به الحكومة ومن يقف خلفها لحظة انطلاق الانتفاضة، هو بمثابة ما يسمى (كسر عظم) أو قطيعة تامة لا رجعة فيها بين القوى المتنفذة والمواطنين، لأن القتل الذي حصل برأيي كان عمليات إعدام ميداني علنية. الحكومة أشرفت على الإعدامات الجماعية بالقنابل والرصاص الحي والقناصات. 

وعلى الرغم من أن المنتفضين أحيوا الذكرى الثانية للانتفاضة في مطلع شهر تشرين الحالي، إلا أنهم قرروا الاحتفال اليوم  أيضا (25 تشرين الأول) لأنه يمثل الحدث الثاني الكبير الذي حول الانتفاضة إلى حدث وطني شمل الكثير من المحافظات.