تعتبر مشكلة البطالة في العراق من أبرز التحديات التي تواجه الحكومة الجديدة، والتي لم تلق أي معالجات حقيقية طيلة الدورات الحكومية السابقة، سوى وعود وإجراءات ترقيعية مؤقتة. وتؤكد أرقام رسمية وغير رسمية أن هذه الآفة آخذة بالاتساع، ومعها يرتفع مؤشر الفقر في دولة غنية بالنفط، وذلك في سلسلة أزمات مترابطة تنهك بلاد الرافدين منذ ما يقارب عشرين عاماً.

وتتزايد أعداد خريجي الجامعات الذين لم يتمكّنوا من الحصول على وظائف، بسبب عدم وجود رؤية حقيقية لدى الدولة، فضلاً عن عدم الاستقرار الأمني والسياسي والاقتصادي. فيما تتواصل احتجاجات الشباب العاطلين عن العمل في بغداد ومحافظات عديدة، لتصل إلى إغلاق مؤسسات حكومية ومقار شركات نفطية في جنوبي العراق.

الحكومة الجديدة كسابقاتها!

بالرغم من تعهد رئيس الوزراء الجديد بالعمل على الحد من البطالة والفقر في البلاد، إلا أن المواطن علي الخزعلي، من ذي قار، يرى أن “هذه الحكومة لا تختلف عن سابقاتها من حيث الوعود والبرامج، ولا يمكن الوثوق بالتصريحات الإعلامية ما لم يكن هناك تنفيذ وتطبيق فعلي على أرض الواقع”.

ويبيّن في حديث صحفي، أن “الشباب اتبعوا الطرق القانونية والدستورية كافة في سبيل الحصول على وظائف بعد سنوات الدراسة الشاقة في الجامعات، لكن الحكومة تتجاهل مطالب العاطلين عن العمل، وتزيد من معاناتهم بقوانين وقرارات اقتصادية مستحدثة، ومنها قرار تغيير سعر صرف الدولار”. ويشير الخزعلي إلى أن “تزايد العمالة الأجنبية، وتأخير إقرار الموازنة الاتحادية، وسيطرة الأحزاب المتنفذة على قرارات التوظيف، جميعها عوامل فاقمت معاناة الشباب العراقي إلى حد كبير”، منتقدا “إخفاق الحكومة في إيجاد حلول حقيقية تعالج مشكلة البطالة، وعجزها عن رفع المعاناة عن المواطن”.

ويؤكد “استمرار الاحتجاج والتصعيد حتى يجري العمل على معالجة المشكلات الاقتصادية، والحد من آفة البطالة”.

أرقام متضاربة

أعلنت وزارة التخطيط أخيراً، أن نسبة البطالة في العراق بلغت 16.5 في المائة، وذلك بموجب مسح نفذه الجهاز المركزي للإحصاء بالتعاون مع منظمة العمل الدولية.

وفي هذا الصدد يقول المتحدث باسم الوزارة عبد الزهرة الهنداوي، ان “هذه النسبة ترتفع لدى النساء إلى أكثر من 25 في المائة مقارنة بالذكور الذين تصل نسبة البطالة بينهم من 11 إلى 12 في المائة”، عازيا مشكلة البطالة إلى “الظروف الاجتماعية المعروفة في العراق”.

ويشير في حديث صحفي إلى أن وزارته “تعمل على دعم وتمكين القطاع الخاص، ليكون قادراً على تحقيق شراكة مع القطاع الحكومي في توفير فرص عمل للعاطلين”، مضيفا أن الوزارة تعمل أيضا على إعادة تشغيل المشاريع الاقتصادية المتلكئة التي يمكن أن توفر فرص عمل تساهم في خفض نسبة البطالة.

لكن الباحث في الشأن الاقتصادي عبد الله العبيدي، يرى أن “دراسات علمية أكدت أن نسبة البطالة في العراق تصل إلى أكثر من 40 في المائة، وأن الحكومة تحاول تقليل هذه النسبة من أجل التغطية على فشلها في معالجة المشكلة”.

ويضيف في حديث صحفي، أن “محاولة الحكومة الانفتاح على التوظيف الحكومي، حل ترقيعي يساهم في تفاقم مشكلة الترهل الوظيفي. بينما يحتاج العراق إلى سوق عمل تنموي يستطيع توفير الفرص الكاملة للحد من مشكلة البطالة”.

ويلفت العبيدي إلى أن ما يدعو إلى القلق هو تجاهل الحكومة معدلات البطالة المتصاعدة، التي يصفها بأنها “قنبلة موقوتة” تثير غضب فئة كبيرة من المجتمع العراقي، خاصة مع ارتفاع معدل نمو السكان والأعداد الهائلة من الخريجين سنوياً التي تضاف باستمرار إلى جيش كامل من المعطّلين عن العمل.

هل من جهد وطني؟

إلى ذلك، يؤكد الخبير الاقتصادي نبيل المرسومي، أن ارتفاع معدلات البطالة في العراق وصل إلى مستويات كبيرة معقدة، ما يتطلب جهدا وطنيا كبيرا لمعالجة هذه المشكلة، مبينا في حديث صحفي أن “معدل البطالة وصل إلى أكثر من 35 في المائة من نسبة الشباب العراقي”.

ويشدد على “أهمية تفعيل القوانين التي جرى التصويت عليها من قبل مجلس النواب سنة 2018، والتي تنص على إنشاء مشاريع متوسطة للحد من ارتفاع نسبة البطالة”، منوها إلى أن “هناك تأثيراً كبيراً على معدلات البطالة بسبب عدم وجود موازنة حتى الآن”.

ويبيّن المرسومي أن “تضمين معالجة البطالة داخل الموازنة المقبلة قد يعالج نسبة ضئيلة من حجم البطالة المتزايد في العراق. فمعالجة هذه المشكلة لن تجري إلا من خلال تنويع الاقتصاد، وتحديد الأنشطة الإنتاجية السلعية والخدمية من خلال استحداث أنشطة جديدة تخلق فرص عمل للشباب. أما الحلول والمعالجات الترقيعية السائدة فلا يمكن الاستمرار فيها”.

ويلفت إلى أن “النمو السكاني يتزايد سنوياً بمعدل مليون نسمة، فيما تشير الإحصاءات الرسمية إلى أن أكثر من نصف مليون فرد يدخلون إلى سوق العمل سنويا، ما يتطلب جهوداً حقيقية ودراسات شاملة للنهوض بالواقع الاقتصادي، والحد من مشكلة البطالة المتراكمة”.