بعد حوالي تسعة أشهر على إجراء انتخابات مجلس النواب، وما رافق ذلك من حالة انسداد سياسي كبير، جاءت خطوة الكتلة الصدرية بتقديم الاستقالات الجماعية، كواحدة من أكثر اللحظات جدلا حتى الآن. فعلى الرغم من وصف نتائج الانتخابات التي جرت بأنها لا تحمل صفة تمثيلية شعبية حقيقية بسبب المقاطعة الواسعة لها، فقد عمّقت الاستقالات الأخيرة من طبيعة هذا الفهم السائد، بينما يقول مواطنون إن البرلمان وبعد أداء النواب الجدد يمينهم الدستوري، لن يقدر على القيام بأية إصلاحات مطلوبة والأسباب كثيرة وأبرزها تأكيد القوى المتنفذة تمسكها بـ”التوازن والتوافق والشراكة”.

وأجرت “طريق الشعب” استطلاعا لرأي المواطنين بشأن السيناريوهات المتوقعة، فيما أكد مواطنون يأسهم من إجراءات أية معالجات مطلوبة، والحكومة القادمة ستكون وليدة المحاصصة والتوافق، وفقا لتكهناتهم.

الصراع على السلطة محتدم

كثيرة هي التصريحات التي تصل أحيانا إلى حد التهديد المبطن بين القوى المتنفذة. وهناك قلق واضح لدى المواطنين من فترة ما بعد أداء اليمين الدستوري للنواب الجدد، فالإصرار على السير بالبلاد وفقا لطريقة الحكم ذاتها كان أبرز أسباب الحراك الاحتجاجي والانتفاضة الشعبية.

ويقول الناشط علي سعد، أحد شباب الحراك الاحتجاجي، إن المزاج الشعبي مستاء جدا من نتائج المحاصصة وما وصلت إليه، لكن “هناك خوف كبير مما قد يحدث في الفترة القادمة، فالصراع على السلطة محتدم ولا نتوقع خيرا من هذه القوى المتنفذة التي لا تأبه بالوضع وخطورته، وتحاول بكل ما تملك أن تتمسك بالسلطة حتى ولو على حساب مصير ملايين المواطنين”.

ويبيّن سعد لـ “طريق الشعب”، أن الحكومة اذا شكلت في الفترة القادمة “فلا يمكن أن تقدم أي نموذج مختلف، فطرف المحاصصة قوي جدا وأثبت استعداده للتضحية بكل شيء من أجل أن يبقى يتقاسم السلطة والمناصب والامتيازات الخاصة”، منوها إلى أن “المواطنين في خوف على مصادر رزقهم وحياتهم، فهناك قلق من احتمالية بلوغ الفشل ذروته وبالتالي سيكون انعكاس ذلك وخيما على الجميع”.

وشدد على أن “قرار مقاطعة الانتخابات كان دقيقا جدا، ولا بد من إعادتها لأن مجلس النواب فقد الكثير جدا من شرعيته وأصبح الممثل الواضح والصريح للمحاصصة المأزومة”.

برلمان يتمسك بالمحاصصة

وأصدرت القوى السياسية المشاركة في جلسة البرلمان الأخيرة، بياناً مشتركاً عقب الجلسة الاستثنائية التي أعلن خلالها الإطار التنسيقي مضيّه نحو حكومة “الشراكة والتوافق والتوازن”. 

ووفقا للبيان، فإن القوى السياسية داخل البرلمان سوف “تعمل على تشكيل حكومة خدمة وطنية”، مبينا ذلك سيكون وفق نهج “التوازن والتوافق والشراكة”. 

وبحسب الأكاديمي، علي البكري، فإن “التعامل مع استقالة أكبر كتلة نيابية وكأنها حدث بسيط، وتجاهل الفكرة الأساسية للانسحاب الجماعي من العملية السياسية، هو الإيضاح الكبير للفشل الذي ينتظر هذه القوى”.

وأوضح البكري خلال حديثه مع “طريق الشعب”، أن “القوى السياسية داخل البرلمان قالت بوضوح أنها سوف تتمسك بالشراكة والتوافق والتوازن، أي بمعنى آخر أن المحاصصة قائمة لا محال وهي الخيار الوحيد بالنسبة لها لإدارة الدولة”، معبرا عن يقينه بأن “الوضع لن يبقى كما هو عليه لأن الفشل بلغ ذروته والشارع الاحتجاجي في غليان ويمكن أن ينفجر بأقرب وقت، كما أن هذه القوى لا تمتلك أي شيء آخر لتقدمه سوى الاستمرار بالفساد والفشل”.

أداء سياسي بعيد عن الواقع

أما عدي طالب، أحد حملة الشهادات العليا، فيتوقع أن “تتعمق الأزمة بشكل أكبر”.

ويقول لـ“طريق الشعب”، إن هناك تناقضا هائلا بين “صراع المصالح الذي يجري ومطاليب المواطنين والمحتجين والعاطلين على العمل، حيث لن ينتهي الأمر سوى بغضب جماهيري قد يكون أكبر من انتفاضة تشرين”.

ويشير طالب، إلى “عدم وجود أي حل للظرف الراهن وبالطريقة النيابية ذاتها، فالأنانية والبحث عن السلطة تعمقت في نظام الحكم وبعد مرور هذه الفترة على نتائج الانتخابات ما زالت الكتل تتفاوض وكأن الانتخابات قد انقضت يوم أمس. ما زال العاطلون عن العمل والخريجون ينتظرون فسحة من الأمل وهذا لن يصمد طويلا بسبب ظروف المعيشة وغلاء الأسعار واستشراء الفساد”.

خطاب الخدمات لن ينطلي على الشارع

أما الناشط محمد مازن، فقد أشار إلى أن خطاب يوم أمس داخل مجلس النواب والتنويه إلى أن الحكومة القادمة ستكون خدمية، لن ينطلي على الشارع وهو خطاب مجرب ومستهلك ويجانب الواقع الحقيقي.

ويوضح مازن لـ”طريق الشعب”، أن “أزمات غياب الخدمات والبطالة والفقر ليست وليدة اللحظة، ولا تنتهي بخطاب كالذي تم طرحه في جلسة البرلمان الأخيرة من خلال الاعتماد على بعض الاجراءات الترقيعية والوعود. أنها أزمات متعلقة بشكل مباشر بالبنية السياسية للنظام القائم على المحاصصة الطائفية التي ترتب عليها التعامل مع موارد العراق وكأنها غنائم تتقاسمها الأحزاب المتنفذة فيما بينها، تاركة الشعب يدور في متاهات كثيرة”، لافتا إلى أن “السياسة الاقتصادية المنبثقة من رحم هذا النظام باتت متناسقة ومنسجمة مع هذا النظام الذي لا يحمل مشروعا حقيقيا لبناء البلاد. وعلى ذلك تكون نقطة البدء في الانطلاقة الحقيقية في الاصلاح السياسي وفي صعود طبقة سياسية تؤمن بالبناء والتنمية بوصفهما الطريق الوحيد للتطور والقضاء على هذه الأزمات”.

انسحابات ومقاطعات وسخط واسع

أما بشأن الاستقالات الأخيرة من مجلس النواب، فهي لم تكن الموقف الوحيد إزاء نظام المحاصصة، فقد جاءت المقاطعة لصناديق الاقتراع من قبل قوى سياسية واجتماعية وشعبية في بداية الأمر. هكذا يصف الأمر التدريسي أمير حاتم.

ويؤكد حاتم لـ“طريق الشعب”، أن جميع هذه الأطراف أدركت أن المضي بهذا الطريق سينتج كوارث جديدة، لذا فأن “الموقف العقلاني هو رفض ما يجري ومقاطعته وجعل القوى المتنفذة وحيدة أمام الجماهير، وهي بالفعل أصبحت كذلك”، مبينا أن “القوى المتنفذة فوتت فرصة ذهبية لتصحيح الأوضاع، وأن البرلمان بوضعه الحالي لم يعد المحطة القادرة على التغيير بسبب تكرار السياسة التي أدت إلى الفشل الذريع”.

ورصدت “طريق الشعب” سخطا شعبيا واسعا تجاه التمسك بالمحاصصة. ويؤكد مواطنون أنهم غير مؤمنين بالبرلمان الحالي والحكومة التي ستأتي من خلاله، معبرين عن ثقتهم بأن الأيام القادمة ستدفع بالاحتجاجات إلى التصاعد أكثر فأكثر لأن خيار المحاصصة والتمسك به هو استفزاز كبير بحد ذاته لملايين المتضررين مما يجري.