جردة حساب بدائية، تكشف أن أزمة البطالة أفرزت العديد من الظواهر التي تؤرق العراقيين في معيشتهم، لكن تلك الأزمة لا تزال تغذي مزيدا من المتاعب للمواطنين، بسبب السياسات الخاطئة والسوء الإداري الذي مارسته الحكومات المتعاقبة، الأمر الذي جعل من النادر أن لا تجد صبيحة كل يوم، وقفة احتجاجية أمام مقر وزارة أو ديوان محافظة، لعاطلين عن العمل، يطالبون بفرصة تعيين.

للآن لم تفكر تلك الحكومات في إيجاد خطط تنموية حقيقية باستطاعتها توفير فرص عمل للباحثين عنها، بعيدا عن سياسة التوظيف التي ارهقت القطاع العام، وتسببت في انخفاض إنتاجيته.

ملف انتخابي

وذكر الخبير الاقتصادي احمد خضير لـ”طريق الشعب”، ان تعامل الحكومات المتعاقبة منذ 2003 مع ملف الباحثين عن فرص العمل لم يكن في مستوى التحدي، بعد ان عمدت الى سياسة التوظيف في القطاع العام بصورة غير علمية، وبعيدة عن الحاجة الفعلية ما تسبب في ترهل وانخفاض إنتاجية هذا القطاع، وبالتالي تحميل الموازنة العامة أعباء إضافية واجهت الدولة صعوبات في توفير متطلباتها المالية، مشيرا الى ان الحكومات المتعاقبة تعاملت مع هذا الملف كملف انتخابي الغرض منه تحقيق الكسب الانتخابي، من دون ان تكلف نفسها عناء البحث عن خطط تنموية حقيقية لخلق فرص العمل”.

وأضاف، ان القروض الممنوحة من قبل المصارف لم تعالج المشكلة، بل انها فاقمتها بسبب الفساد والروتين والبيروقراطية، وعدم وجود جدوى اقتصادية من المشاريع التي تمنح عليها القروض، مبينا ان اغلب القروض ذهبت الى اشخاص على شكل سلف لتمشية أمورهم المالية، وليس لخلق مورد اقتصادي للمواطنين.

إيجاد البدائل

واكد ان مجلس النواب والحكومة ملزمان بالتفكير خارج الصندوق، وإيجاد بدائل اقتصادية باستطاعتها توفير فرص عمل للعاطلين عن طريق انتهاج آلية جديدة، قادرة على معالجة المشكلة، ومغادرة نهج العطايا والربحية، مقترحا تدخل الدولة بشكل مباشر في متابعة القروض الممنوحة للمواطنين والجدوى الاقتصادية المراد تحقيقها من القروض.

وأشار الى ان استمرار منح القروض بدون متابعة وتدقيق، سوف يؤدي الى زيادة نسب التضخم وهدر الأموال وزيادة مديونية المواطنين الذين يحاولون معالجة المشاكل المالية عن طريق القروض، مشددا على ضرورة اطلاق حملة وطنية لإحياء الصناعات واقتراح المشاريع للتنفيذ من قبل المواطنين شرط توفير الدعم اللازم للمتقدمين لتنفيذها.

وبيّن، ان هذا الامر يمكن ان يتم عن طريق تأسيس صناديق تنموية تمول من فائض الموازنة العامة، تأخذ على عاتقها دراسة جدوى المشاريع الاقتصادية وثم اقتراحها للتنفيذ بصيغة التنفيذ المشترك او الخاص، منوها الى ان تطبيق مثل هذه المقترحات بحاجة الى وجود إرادة سياسية لمعالجة المشكلات، بعيدا عن فوضى الإدارة المالية الحالية لموارد البلاد.

اعداد مخيفة

وبحسب ما أفاد به المدير العام لدائرة العمل والتدريب المهني في وزارة العمل والشؤون الاجتماعية، رائد جبار باهض، فإنّ “قطاع العمل هو مسؤولية الوزارة بالدرجة الأساس، إذ لديها قاعدة بيانات رصينة ومهمة”. وبيّن باهض في تصريح صحفي، أنّ “قاعدة البيانات تضمّ أكثر من مليون باحث عن العمل من مختلف الفئات، ومن خرّيجي وزارتَي التعليم العالي والتربية، تمّ تسجيلهم في خلال الفترة الماضية في بغداد والمحافظات، عدا إقليم كردستان”. وتحدّث باهض عن “أضعاف هذا العدد من العاطلين (من العمل) غير المسجّلين في قاعدة بيانات الوزارة”، داعياً إلى “تضافر الجهود لخلق فرص عمل حقيقية لهم في القطاعين العام والخاص، وإعداد خطة وطنية لحلّ هذه الأزمة”. وأشار إلى أنّ “الوزارة أبرمت اتفاقاً مع منظمة العمل الدولية لتطوير المناهج التدريبية في مراكز التدريب التابعة للوزارة، ودعم القطاع الخاص عن طريق مخرجات التدريب المهني التي تتلاءم مع سوق العمل”، مضيفاً أنّ “الوزارة لديها العديد من الجهات والمنظمات الدولية التي تتعاون معها في مجال التشغيل والتدريب المهني، والتي أثبتت الكفاءة والقدرة على التعاطي في ابتكار مشاريع تخدم الفئات المختلفة من المجتمع”.

وتابع باهض أنّ أبرز “المشاريع التي تقوم بها الوزارة مدعومة من منظمات دولية مختلفة، لا سيّما الأمم المتحدة والمنظمة الكندية”، موضحاً أنّها “حققت نتائج مرضية من خلال زيادة فرص العمل للشباب، وتعزيز القدرات لمؤسسات التدريب، وتطبيق معايير الضمان والجودة، وتطبيق التدريب المبني على الكفاءة، وتطوير سوق العمل”.

وفي السياق، قال مدير دائرة العمل والتدريب المهني في محافظة بغداد، كريم يوسف البدري، إن “العاطلين المسجلين لدى مراكزنا في بغداد عام 2021 بلغوا 69 ألفا و726 شخصاً”، مبيناً أنه “منذ بداية العام الحالي ولغاية الآن بلغ عدد العاطلين في بغداد فقط 25 ألفا و600 شخص”.

وأضاف، أن “المناطق الشعبية هي الأكثر اعداداً للعاطلين عن العمل بسبب التسرب عن الدراسة والكثافة السكانية”.

وعن آلية عمل مراكز العمل والتدريب المهني، ذكر البدري أن “هناك إقبالا واسعا للباحثين عن العمل على مراكزنا البالغ عددها 16 مركزاً في بغداد، حيث نزجهم في دورات لمدد من شهرين الى 3 أشهر، وبعدها نزجهم في عالم الاعمال وابتكار الريادة”، موضحاً أنه “بعد ذلك ترفع الاسماء لوزارة العمل لمنحهم القروض”.

وأكد أن “الدائرة تعاقدت مع مصرف أهلي لغرض منح الباحثين عن العمل قرضا يصل الى 10 ملايين دينار”، مؤكداً “وجود فريق يقوم بمسح سوق العمل للتعرف على المهن الجديدة المطلوبة”.

6 ملايين عاطل

من جانبه، أوضح الباحث الاجتماعي نصير عبدالسادة ان وزارة التخطيط تؤكد ان اعداد العاطلين عن العمل في البلاد يقترب من حوالي 14 في المائة ما يعني وجود حوالي 6 ملايين عاطل عن العمل، فيما تذهب آراء أعضاء في مجلس النواب الى ضعف هذا العدد.

وأضاف عبد السادة في حديث لـ”طريق الشعب”، ان الأرقام لا تكذب وهناك مشكلة حقيقية تواجه المجتمع، عجزت الحكومات عن معالجتها، مبينا ان القروض الممنوحة للعاطلين عن العمل لا تعالج المشكلة كونها تمنح بطريقة غير علمية، مشيرا الى ان جهود مراكز التدريب والتأهيل في وزارة العمل والشؤون الاجتماعية لا تلبي الطموح لاقتصارها على عدد من الحرف البسيطة.

ودعا عبد السادة الى ضرورة البحث عن حلول واقعية للأزمة، بعيدا عن سياسة طمر الرؤوس في الرمال او التوظيف الخاطئ، مشيرا الى ان الأيدي العاملة هي ثروة وطنية على الدولة الاستفادة منها.