خلال الفترة الأخيرة تفاقمت مشكلات التلوث في الأحياء السكنية والأنهار والبحيرات في العراق بشكل كبير، تزامناً مع تراجع مستوى المياه وارتفاع درجات الحرارة، ما خلّف مشكلات صحية وروائح كريهة ومشاهد مقرفة.

يأتي ذلك وسط تحذيرات من استمرار تصريف مياه المجاري في نهري دجلة والفرات. فبسبب انخفاض مناسيب المياه في النهرين، طغت مياه المجاري المصرفة فيهما بنسبة عالية، الأمر الذي أدى إلى قتل الكثير من الأحياء والنباتات النهرية.

ويعمل ناشطون في مجال البيئة على إطلاق حملات للتوعية بمخاطر التلوث وربطها بالأوبئة والأمراض المتواصلة في البلاد، مطالبين بتشريع قوانين صارمة بحق من يقوم بتلويث البيئة، مواطنين أم مؤسسات حكومية، فضلا عن تأسيس شرطة خاصة بمكافحة مسببي التلوث.

أمراض مميتة

يقول الخبير البيئي حيدر الميراني، أن “استمرار المواطنين والدوائر الحكومية في رمي المخلفات الثقيلة في الأنهار ومجاري المياه العذبة أو المسطحات المائية والساحات العامة، سيزيد من الأوبئة المنتشرة اليوم، الأمر الذي قد يؤدي إلى حدوث أمراض مميتة وغير متوقعة”.

ويوضح في حديث صحفي، أن “المواطنين يرمون النفايات في غير أماكنها، وهم أكثر من يلوث المدن، حتى وإن لم يشعروا. كما أن الدوائر الحكومية ومنها المستشفيات ترمي مخلفاتها في الأنهر والساحات العامة”.

وعن الحلول، يقول الميراني أن “هناك حلولاً عدة، وهي تحتاج إلى دراسات وخطط وأموال، لكن أهمها وأسرعها تشكيل شرطة النظافة، التي تتولى مهمة ملاحقة وتغريم كل من يلوث البيئة، سواء أكان مواطناً أم جهة حكومية أم قطاعاً خاصاً، على أن ترتبط هذه الشرطة بوزارة الداخلية”.

تحديات

يبيّن الناشط محمد العبيدي، وهو من بغداد، أن العراق يواجه اليوم تحديات كبيرة بسبب الجفاف والتصحر المتزامنين مع ارتفاع درجات الحرارة وزيادة إنتاج النفايات في البلاد، مشيرا إلى أن استمرار هذه التحديات يعني المزيد من المشكلات الصحية.

ويلفت في حديث صحفي، أن “هناك مناطق تنتشر فيها الأمراض الجلدية والمعوية. وعند البحث، نجد أنها أكثر تلوثاً بالنفايات من غيرها. لذلك نقوم بإطلاق حملات في تلك المناطق للتوعية بمخاطر التلوث”.

وبحسب تقارير بيئية سابقة، فإن نحو 50 في المائة من مشكلات التلوث في نهري دجلة والفرات تأتي بسبب مياه المجاري ومخلفات الدوائر الحكومية والمصانع. وتتصدر بغداد أكثر مدن البلاد معاناة جراء هذه الظاهرة.

وتعثرت الحكومات العراقية المتعاقبة في بناء معامل لتدوير النفايات، وتعتمد حتى الآن على وسائل بدائية في طمر النفايات بمناطق مختلفة، وسرعان ما يتحول الأمر إلى مشكلة تهدد المدن المجاورة لتلك المطامر.

ثقافة المجتمع

من جانبه، يقول المتحدث باسم وزارة الداخلية اللواء خالد المحنا، أن مهمة شرطة البيئة منع عمليات التلوث الكبرى كالتي تصدر عن المعامل والمصانع، معتقدا في حديث صحفي، أن “المشكلة ليست بوجود تشكيل أمني، إنما تعود لثقافة المجتمع. ففي المجتمعات المتقدمة نجد أن الفرد هو الذي يمثل عنصر الأمن مرة، والموظف البلدي مرة أخرى، ويكون هو الحارس على عملية منع التلوث”.

إلى ذلك، يذكر مدير بلدية مدينة الديوانية، حيدر مرزوك ان “الكوادر البلدية لم تعد قادرة على تنفيذ واجباتها في تنظيف المدينة بشكل جيد، بسبب عدم التزام المواطنين برمي النفايات أو تجميعها في مكانها المخصص. وهناك من يلوث البيئة ولا يتعاون معنا، بعضهم يقوم بالاعتداء على عمال النظافة، لذلك نحتاج فعلاً لقوة أمنية تسند عملنا”.

يتابع في حديث صحفي قائلا، أن “هناك دوائر حكومية تقوم برمي النفايات الصلبة والسائلة في الأنهر، والغازية في الهواء، وهذا خطر كبير. لذلك، وجهنا لها أكثر من إنذار، كما عمدت مديرية البيئة إلى اتخاذ الإجراءات نفسها، وبالرغم من ذلك لا تزال المشكلة مستمرة”.

ويقرّ متابعون بأن المواطنين يتحملون جزءاً من المسؤولية. وبهذا الصدد يقول حيدر اللامي، أن “على المواطن أن يقوم برمي النفايات في الأماكن المخصصة لها بهدف الحد من الأزمة البيئية”، مشددا في حديث صحفي على أنه “في حال أرادت البلديات السيطرة على مشكلة التلوث، يتوجب عليها تغريم ومعاقبة المخالفين مهما كانوا، مواطنين أم مؤسسات حكومية”.