تزامنا مع حلول مناسبة عيد المعلم العراقي الذي يرافق مستوى جديد من التحدي في ظل تفشي الموجة الثانية من جائحة كورونا في البلاد، يقول معلمون إن صعوبات كثيرة تواجههم اثناء قيامهم بواجباتهم، فيما تغيب التشريعات اللازمة أو لا يتم تفعيلها من أجل ضمان حقوقهم وحمايتهم من الاعتداءات، فضلا عن عدم تحسين مستوى العملية التربوية بشكل عام، وتهالك البنى التحتية للمدارس، رغم صرف الأموال الطائلة عليها، بسبب الفساد وتداعيات الادارة السيئة لنظام المحاصصة وتهميشه للتعليم.

واقع مؤلم

وعلى خلاف العديد من دول المنطقة والعالم، أمسى واقع التربية والتعليم حاليا في العراق يتراجع بشكل مستمر، بسبب ضعف البنى التحتية، الأمر الذي زاد من معاناة المعلمين والطلبة على حد سواء.

ومن ضمن المعوقات التي تواجه المعلمين، بحسب شهادات بعضهم، هو التجاهل الحكومي أو النيابي لقلة التخصيصات المالية أو القيام باللازم تجاههم، وجعل العملية التربوية هامشية قياسا بمخصصات وزارات أخرى، فيما تبقى امتيازات المعلمين ضئيلة جدا ولا تتم حمايتهم بشكل لازم. ويشير المشرف التربوي المتقاعد، عبد الكريم السعيدي، إلى إن “واقع التربية والتعليم في العراق بدأ بالتدني منذ عقود، والآن كثرت أسباب هذا التدني في ظل التخبط الحكومي والصراع السياسي وعدم الاهتمام بنهضة البلد التي طال انتظارها والتي تنطلق من التعليم قبل كل شيء”.

ويوضح السعيدي لـ”طريق الشعب”، إن “المعلمين محرومون من امتيازات كثيرة يتمتع بها اقرانهم في غالبية دول العالم؛ فالكثير منهم لا يملك السكن الملائم أو الضمانات الصحية والمالية، ولا تتم حمايتهم وفق قانون رادع يمنع التجاوزات المستمرة تجاههم، في حين تبقى الحاجة ماسة الى ادخالهم دورات تطويرية، تواكب الحداثة في العالم، وتطوير المناهج التدريسية مع متطلبات الراهن”، مشيرا إلى أن “التحديات التي تواجه المعلمين متعلقة بطبيعة ادارة البلد من خلال المحاصصة الطائفية التي اوكلت وزارة التربية دائما إلى شخصيات غير كفوءة. علما أن البنى التحتية للمدارس بقيت متهالكة رغم صرف الأموال الطائلة عليها، وذلك بسبب الفساد، ما جعل الدوام في المدارس ثنائيا وثلاثيا، وأضر بالتعليم بشكل مخيف، بينما تحمل المعلم عواقب وخيمة من جرّاء السياسات الخائطة”.

ويلفت المتحدث إلى أن “جميع الأموال المخصصة للبنى التحتية تم نقلها لمجالس المحافظات منذ العام 2013، وصار بناء المدارس وترميمها من مسؤولية المحافظات، ورغم سماعنا عن اطلاق حملات لبناء المدارس الا ان الوقع بقي كما هو، والعراق يعاني نقصا حادا في الأبنية المدرسية وبحاجة الى الحاق اعداد كبيرة من المعلمين المتخرجين بالخدمة للاستفادة منهم”.

ولجأ المعلمون العراقيون في مرات عدة إلى تنظيم إضرابات عامة، احتجاجا على عدم تلبية الحكومة مطالبهم، ومن أبرزها إصلاح القطاع التربوي وتحسين أوضاعهم المعيشية. وكان من ضمنها الاضراب الذي اعلنوه خلال الانتفاضة الشعبية التي انطلقت للمطالبة بالتغيير واصلاح اوضاع البلاد.

قانون حماية المعلم

وفي كلّ مرة تمر مناسبة عيد المعلم، تكثر البيانات والتصريحات من النواب في البرلمان أو الحكومة أو الجهات السياسية التي تؤكد احترام المعلم العراقي والسعي الى تحسين احواله، بينما الواقع لا يترجم هذه الاقوال وبقي المعلم هو الحلقة الاضعف الذي تؤكل حقوقه بسهولة.

ورغم تصويت البرلمان في وقت سابق على قانون حماية المعلمين، إلا أن تفعيله لم يرَ النور وهذا ما أكده النائب الاول لرئيس مجلس النواب، يوم أمس، عندما طالب الحكومة بـ”تفعيله بما يناسب دورهم وجهودهم في صناعة الاجيال”.

ويتحدث مدرس مادة الأحياء، عماد سرحان، عن القانون قائلا: إن “الكثير من القوانين التي جرى تشريعها ما زالت معطلة ولا يتم تطبيقها، ومن ضمنها قانون حماية المعلمين والمدرسين والمشرفين التربويين”.

وينص القانون في أول مادتين فيه على “حماية المعلمين والمدرسين من الاعتداءات والمطالبات العشائرية والابتزاز جراء قيامهم بأعمال الوظيفة الرسمية أو بسببها، فضلا عن رفع المستوى العلمي والمعيشي والصحي للمعلمين والمدرسين”.

ويزيد سرحان أن “الاعتداءات على المعلمين مستمرة وخصوصا في المناطق الشعبية للأسف الشديد، بينما رواتب هذه الشريحة ضئيلة جدا مقارنة ببقية القطاعات الحكومية، ونرى كيف ان المعلم صاحب الخدمة الطويلة يتقاضى راتبا لا يليق به”، داعيا الى “القيام بإجراءات حقيقية للحد من حالات الاعتداء التي تطال المعلمين والمدرسين، وانزال اقصى العقوبات بحق الجناة”.

مدارس مكتظة

وفي غضون ذلك، استطلعت “طريق الشعب”، آراء بعض الطلاب بشأن الواقع التربوي. وكان من بينهم الطالبة مريم صبحي في الصف الثالث المتوسط، التي أكدت أن “الصفوف مكتظة بأعداد الطالبات، ويصل العدد في كل صف إلى حوالي 50 طالبة، رغم صغر حجم القاعات، وهذا ما ينعكس سلبا على استيعابنا وتلقينا للمحاضرات”.

أما الطالب في الصف السادس الاعدادي مهدي ستار، فيشير إلى أن “غالبية المدارس ومنها مدرستنا الإعدادية تفتقر لبعض وسائل الإيضاح، واكتظاظ الصفوف، وهذا ما يؤثر في استيعاب المادة، الأمر الذي يضطرنا للتسجيل في المعاهد الأهلية الخاصة بدروس التقوية خاصة في بعض المواد مثل الرياضيات واللغة الإنجليزية والأحياء، وهذا يكلفنا مبالغ باهظة تضاف إلى عاتقهم”.

من جانبه، يؤكد المدرس احمد الموسوى، ان “معاناة المعلمين والمدرسين تتمثل بتدني الرواتب والامتيازات، حيث لا تنسجم مع ما نبذله من جهد في التدريس، ولعل غالبية موظفي الدولة وفي كل العالم يعملون وهم جالسون على مكاتبهم، إلا المعلم يعمل وهو واقف لساعات متواصلة ويقدم خدمات علمية كبيرة لا تلاقي الاهتمام ولا يرد عليها بالعدالة والانصاف”.

وأشار إلى أن المعلم يعمل في بيئة تفتقر للخدمات الصحية والكهرباء والمياه النظيفة ووسائل التكييف وغيرها من المتطلبات الأساسية، الأمر الذي يتطلب إبعاد القطاع التربوي عن المحاصصة الطائفية في تولي الوزراء والمديرين العامين والقائمين على القطاع التربوي، ومنح هذه المناصب للكفاءات وذوي الخبرة للنهوض بواقع التربية والتعليم”.