منتدى دافوس الاقتصادي العالمي في نسخته الحالية في أيام 19 – 23 كانون الثاني الحالي، مختلف كليا، فالصراع هذه المرة يدور داخل أروقة المنتدى بين الولايات المتحدة الامريكية وحلفائها الأوربيين، حيث أعلن عدد من حلفاء الولايات المتحدة الثلاثاء الفائت نهاية النظام العالمي الذي تقوده واشنطن، ورغم ذلك أبدوا رغبة في الحوار مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن أوكرانيا ومستقبل غرينلاند، في حين عمد ترامب، وكعادته في التعامل مع المختلف معه، إلى السخرية من حلفاء بلاده التاريخيين.
عقب رئيس الوزراء البلجيكي بارت دي ويفر على ما يدور: "هناك فرق كبير بين أن تكون تابعا سعيدا وأن تكون عبدا بائسا"، وأضاف: "إذا تراجعت الآن، فستفقد كرامتك". وأكثر من هذا فان سلسلة التراجعات ستسمر.
دعت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين إلى استقلال "دائم" عن الولايات المتحدة، وحذرت من أن انتظار عودة الأمور إلى طبيعتها بعد انتهاء ولاية ترامب، لان ذلك لن يؤدي إلا إلى تعميق ضعف أوروبا.
وقد غادر ماكرون منتدى دافوس، في حين قررت رئيسة وزراء الدانمارك مته فريدريكسن عدم الحضور، ومن غير الواضح ما إذا كان قادة ألمانيا أو بريطانيا سيشاركون في اجتماع بين الرئيس ترامب والسكرتير العام للناتو مارك روته.
ووفق نيويورك تايمز، أن الرئيس ترامب ومساعديه ينظرون إلى أوروبا على أنها مجموعة دول ضعيفة وغير فعالة يهيمن عليها قادة ليبراليون وتغرق في البيروقراطية.
وحتى نهاية أعمال المنتدى ستنكشف ملامح الصورة الراهنة للعلاقة بين جناحي حلف الناتو، الأمر الذي يستحق المتابعة لتداعياته المقبلة.
مستقبل قاتم
يبدو المستقبل الذي تصوره المشاركون في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس قاتمًا. هذا ما خلص إليه تقرير المخاطر العالمية الجديد، وهو تقرير سنوي يصدره المنتدى، ويستند إلى استطلاع رأي شمل أكثر من 1300 من المديرين التنفيذيين والخبراء، ويهدف إلى تحديد أكبر التهديدات العالمية في السنوات القادمة. هذا العام، على الأقل على المدى المتوسط، تُعدّ "المواجهة الجيواقتصادية" التهديد الأكبر، أي الحروب الاقتصادية التي تُشعلها الولايات المتحدة. كما تُعتبر عواقب هذه الحروب، مثل خطر التدهور الاقتصادي، بالغة الخطورة. وينطبق هذا أيضًا على الآثار الجانبية لهذه الصراعات وغيرها، مثل الهجمات الإلكترونية والتضليل الإعلامي. يتوقع 10 في المائة فقط استقرارًا نسبيًا في المستقبل القريب، بينما يتوقع 50 في المائة ظروفًا "مضطربة" أو "عاصفة" بحلول عام 2028، وتصل هذه النسبة إلى 57 في المائة بحلول عام 2036.
ولولا صراع الحلفاء، لكانت ملفات أخرى أكثر اهمية في المنتدى الاقتصادي العالمي هذا العام. صرّح ميريك دوسيك، المدير التنفيذي للمنتدى والمسؤول عن برنامج فعاليات دافوس، لصحيفة هاندلسبلات الالمانية: "إن الديناميكيات الاقتصادية المحيطة بالذكاء الاصطناعي هائلة". ومع ذلك، وإلى جانب هذه الفرص الاقتصادية الواسعة، توجد أيضًا مخاطر كبيرة، لا سيما على المدى الطويل؛ على الأقل، وهذا ما خلص إليه المشاركين في الاستطلاع. في حين أن الآثار السلبية للذكاء الاصطناعي تحتل مرتبة منخفضة نسبيًا في قائمة المخاطر للفترة حتى عام 2028، إلا أنهم يعتبرونها خامس أكبر خطر بشكل عام للأعوام حتى 2036. ومن الواضح أن أهمية الذكاء الاصطناعي، والحاجة إلى معالجته ومخاطرة المرتبطة به بشكل أكثر شمولًا ومتسارعة جدا.
شركات التكنلوجيا تهمين على المنتدى
لقد كان المدراء التنفيذيون للشركات الصناعية يهيمنون على مجريات المنتدى، واليوم يتضح النفوذ المتزايد لقطاعي الذكاء الاصطناعي وتكنولوجيا المعلومات ككل في تركيبة المشاركين في المنتدى، فإلى جانب 65 رئيس دولة وحكومة، ونحو 400 مسؤول حكومي آخر، من بين أكثر من 3 آلاف مشارك من 130 دولة، يشارك في المناقشات رؤساء شركات التكنولوجيا، من أمثال ساتيا ناديلا (مايكروسوفت) وأليكس كارب (بالانتير) إلى جنسن هوانغ (إنفيديا). كما يُمثّل رؤساء شركات الذكاء الاصطناعي مثل أنثروبيك وجوجل ديب مايند. ويُعتبر هؤلاء المليارديرات في مجال التكنولوجيا، الذين تتزايد ثرواتهم بوتيرة متسارعة، من العوامل الدافعة لتفاقم عدم المساواة الاجتماعية العالمية، والتي تُصنّف، مع عواقبها، بشكل ساخر كأكبر التهديدات العالمية للمستقبل في تقرير المخاطر العالمية.
وتشير التقارير إلى أن ترامب سيعرض قائمة أعضاء "مجلس السلام" المزمع تشكيله لغزة، والذي يهدف إلى تنسيق إدارة أجنبية جديدة للقطاع. ويبدو أن ترامب يعتزم ضمان رئاسة المجلس وحق النقض (الفيتو) لنفسه. ويحذر مراقبون من أن الملياردير الأمريكي قد يسعى إلى توسيع "مجلس السلام" ليصبح مؤسسة تحل محل مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. ويرافقه أكبر وفد أمريكي يشارك في المنتدى الاقتصادي العالمي على الإطلاق، ويضم عدداً من المليارديرات الذين يشغلون مناصب رسمية في الحكومة الأمريكية، مثل وزير الخزانة سكوت بيسنت ووزير التجارة هوارد لوتنيك، بالإضافة إلى أفراد من دائرته المقربة ممن يتمتعون بنفوذ غير رسمي في واشنطن، مثل جاريد كوشنر ومبعوثه الخاص ستيف ويتكوف.