أسفرت الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية البرتغالية التي جرت الأحد الفائت عن هزيمة المعلق الرياضي السابق ومؤسس حزب "شيغا" ومرشحه الفاشي الجديد أندريه فينتورا، الذي حصل على 33.2 في المائة من الأصوات، فيما حقق منافسه أنطونيو خوسيه سيغور، الأمين العام السابق للحزب الاشتراكي الديمقراطي الاجتماعي نصرا واضحا، بحصوله على 66.8 في المائة من أصوات الناخبين، أي قرابة 3.5 مليون صوت، مثلت قوى البلاد السياسية المناهضة للفاشية، حصل سيغور على أعلى عدد من الأصوات منذ انتصار ثورة القرنفل في نيسان 1974، وعودة البرتغال إلى الديمقراطية، وخلف سيغور الرئيس المنتهية ولايته اليميني المحافظ مارسيلو ريبيلو دي سوزا، الذي أمضي دورتين رئاستين، ووفقًا للدستور النافذ، لا يحق له بعدها الترشح لدورة ثالثة.
لقد أعلن سيغورو بعد فوزه: "أنا حرٌّ وغير مقيد، وسأتصرف وفقًا لذلك خلال فترة ولايتي التي تمتد لخمس سنوات". هنأ رئيس الوزراء البرتغالي لويس مونتينيغرو، الذي يقود حكومة أقلية تضم الحزب الاشتراكي الديمقراطي المحافظ الليبرالي وحزب الشعب الديمقراطي اليميني، سيغورو. وأعلن، نيابةً عن الحكومة، "استعدادنا التام للتعاون من أجل مستقبل البرتغال"، ووعد بـ "التعاون الكامل". وعندما سُئل عما إذا كان موقف أندريه فينتورا اليميني المتطرف قد تعزز، أجاب رئيس الوزراء بأنه لم يتغير شيء. وعلى الرغم من هزيمته، صرّح فينتورا لأنصاره: "نحن نقود اليمين في البرتغال، وسنحكم هذا البلد قريبًا".
لم يحصل أي من المرشحين الأحد عشر على الأغلبية المطلقة في الجولة الأولى التي جرت في 18 كانون الثاني الفائت. وكان سيغور متقدماً بنسبة 31.1 قي المائة، متفوقاً على فينتورا الذي حصل على 23.5 في المائة. يعد تأهل مؤسس حزب شيغا إلى جولة الانتخابات الحاسمة خطوة رسخت صعود الفاشيين الجدد. لقد أنهى هذا الحزب، الذي تأسس عام 2019 فقط، هيمنة الحزب الاشتراكي الليبرالي PSD والحزب الديمقراطي الاجتماعي SP التي دامت عقوداً. ومنذ الانتخابات البرلمانية التي جرت في أيار الفائت أصبح شيغا ثاني أكبر حزب بعد حزب المحافظين.
احذروا التراخي
لا يدعو انتخاب سيغور إلى التراخي. فبعد مرور نصف قرن من سقوط الفاشية والاستعمار في البرتغال، يعود حزب فاشي جديد عنصري ذو قيم رجعية وقومية إلى الظهور مجدداً. والإعلام والسياسيون اليمينيون المحافظون يمهدون الطريق له. لقد أدلى ثلث الناخبين بأصواتهم لصالح فينتورا في الجولة الثانية، الذي يدّعي محاربة النظام الفاسد والنخب الحاكمة، بينما حزبه مدعوم من قبل أصحاب الملايين. ثمة أسباب وجيهة كثيرة للسخط المتضررين واحتجاجهم: الفجوة الصارخة بين الأغنياء والفقراء، وانخفاض الأجور وأزمة السكن، ونقص تمويل نظام الرعاية الصحية، والاعتداءات على الحقوق الاجتماعية والعمالية.
إن فوز رئيس الجمهورية الجديد، لا يعني تحولا نحو اليسار، فهو من ممثلي الجناح التقليدي في الحزب الديمقراطي الاجتماعي، بالإضافة إلى أن النتائج الضعيفة لليسار الماركسي، إذ حصل مرشحو الحزب الشيوعي البرتغالي، وحزب كتلة اليسار، وحزب الحرية مجتمعين على أكثر من 4 في المائة فقط، مما يرفع الضغط عليه من اليسار.
نظام سياسي هجين
بالنظر إلى دور رئاسة الجمهورية في نظام البرتغال السياسي، فإن حالة عدم اليقين الراهنة لها عواقب وخيمة. فالنظام ليس برلمانيًا بالكامل، بل شبه رئاسي: فبينما لا يحكم الرئيس ولا يعيّن الوزراء، إلا أنه يملك صلاحية حلّ البرلمان، ونقض التشريعات المُقرّة، والطعن فيها أمام المحكمة الدستورية، والدعوة إلى استفتاءات. وقد استغلّ الرئيس المنتهية ولايته، ريبيلو دي سوزا، هذه الصلاحيات إلى أقصى حدّ من خلال الجمع بين الخيارات الدستورية، كحلّ البرلمان، لذا، من الأهمية بمكان عدم النظر إلى هذه الانتخابات من منظور رمزي فقط، ولا نقلل من تأثيرها الكبير على المشهد السياسي المضطرب في البرتغال.
وبينما تحتفل النخبة الأوروبية بفوز حزب سيغورو الاشتراكي المعتدل، يعاني الوسط السياسي في البرتغال من استنزاف حادّ مع انهيار التحالفات السياسية والانتخابية التقليدية. هذه أزمة حقيقية، يستغلها اليمين المتطرف كصوت احتجاجي لتعزيز نفوذه وكسب المزيد من التأييد: من قيادة المعارضة في الانتخابات البرلمانية في ايار2025 إلى فوزه التاريخي في انتخابات كانون الثاني من العام الحالي، والذي ضمن وصول مرشحه إلى جولة من الانتخابات الرئاسية الثانية.
في تشرين الأول الفائت، اعتلى فينتورا منصة الجمعية الوطنية البرتغالية، مستحضرًا ذكرى الديكتاتور البرتغالي أنطونيو سالازار، داعيًا إلى "سالازار واحد، أو اثنين، أو حتى ثلاثة" لإعادة البرتغال إلى مسارها الصحيح. وبهذا، أظهر نزعات ديكتاتورية وتحدى التقاليد الديمقراطية لثورة القرنفل، وهو أمر لم يكن أحد يتصوره قبل بضع سنوات فقط، كاشفًا عن عمق الأزمة الديمقراطية في البرتغال.