لم يعد الحديث عن حرب باردة جديدة مجرد توقعات، فهناك اجماع بين أوساط واسعة من الباحثين والمحللين والمتابعين، الذين يتحدثون بشكل واضح عن دخول العالم في حرب باردة جديدة، ويجد هؤلاء في جميع الحروب الإقليمية والمتغيرات السياسية في مناطق عديدة التي تقف خلفها الولايات المتحدة وحلفاؤها، ميدانا لصراع جيوسياسي بين الولايات المتحدة التي تحاول الحفاظ على تصدرها للقوى المهيمنة في العالم والصين الصاعدة اقتصاديا، والساعية لتجاوز مراكز الهيمنة التقليدية، وبنا ء عالم متعدد الأقطاب لا تلعب فيه الولايات المتحدة دور المنسق، بعد ان بدأت تفقد عمليا دور الزعيم.
وتأتي الخطوات التي اتخذتها الحكومة اليابانية أخير لعسكرة البلاد، والمناورات العسكرية التي قادتها الولايات المتحدة وشاركت فيها، بين بلدان أخرى، اليابان لتشكل خطوات ملموسة على هذ الطريق، الذي سيحول شرق وجنوب شرق آسيا إلى ميدان رئيسي للحرب الباردة الجديدة، والتي سيكون هدفها الأقرب، محاولة تطويق الصين.
عسكرة اليابان
منذ عشر سنوات تحاول الحكومات اليمينية المتعاقبة في اليابان، دون نجاح، تعديل دستور البلاد الذي يمنع العسكرة. لكن ذلك لم يمنع اعلان الحكومة اليابانية، الثلاثاء الفائت، تخفيف الضوابط على تصدير الأسلحة. وأصبح بإمكان شركات الأسلحة اليابانية تصدير الأسلحة والمعدات الحربية بحرية كاملة إلى بلدان أخرى. لعل من أهم نتائج الحرب العالمية، وضع قيود شديدة على تصدير الأسلحة الفتاكة، ردا على جرائم الحرب التي ارتكبتها العسكرية اليابانية حينها. وبهذا تلتحق اليابان بركب العسكرة السائدة اليوم في المراكز الرأسمالية العالمية. وسبق لليابان أن رفعت تخصيصاتها لأغراض العسكرة إلى قرابة 66,5 مليار دولار أمريكي، أي ما يعادل 1,9 في المائة من الناتج الإجمالي المحلي.
إن هذه الخطوة ستسرع من وتيرة المنافسة بين شركات صناعة الأسلحة في العالم، وتطرح بديلا جديدا في سوق السلاح يعوض النقص الحاصل في صناعة الصواريخ الأمريكية، التي تشتريها بلدان الخليج العربي حاليا من كوريا الجنوبية، وقريبا ستصبح اليابان أيضا مصدرا مهما لهذه الصواريخ.
لكن التغيير الأهم هو عودة النزعة العسكرية اليابانية القديمة بقوة أكبر، وبشكل علني، وبعدوانية أشد. خلال الحرب العالمية الثانية، احتلت القوات اليابانية أراضيَ شرقًا حتى المحيط الهادئ، وغربًا حتى ما كان يُعرف آنذاك ببورما. في الصين وحدها، سقط ما بين 15 و16 مليون ضحية.
وفي الخطوة التالية يريد رئيس الوزراء تاكايتشي ساناي تعديل المادة 9 من الدستور، التي ترفض الحرب "إلى الأبد". وسيُسمح هذا التعديل لطوكيو بشن الحرب في المستقبل. واليوم، تُعسْكر اليابان أرخبيلها الممتد من كيوشو إلى تايوان تقريبًا. وتشارك في مناورات عسكرية في الفلبين بقوات قتالية، وترسل أسطولها البحري إلى مناورات حربية في بحر الصين الجنوبي والمحيط الهندي، مساهمةً بذلك في تطويق الصين. إن النزعة العسكرية اليابانية تستهدف الصين مرة أخرى، ولن يمر هذا دون رد من بكين. فالمؤشرات تتجاوز التصعيد لتنذر بالحرب.
مناورات الفلبين
انطلقت الإثنين الفائت إحدى أكبر المناورات العسكرية المشتركة بين الفلبين والولايات المتحدة حتى الآن. وتشمل سلسلة مناورات "باليكاتان"، التي تستمر حتى 8 أيار (الذكرى السنوية للانتصار على الفاشية)، أكثر من 17 ألف جندي، كما في السنوات السابقة، من بينهم حوالي 10 آلاف جندي أمريكي. ولأول مرة، يشارك حوالي 1400 عسكري ياباني، إلى جانب قوات من أستراليا ونيوزيلندا وكندا وفرنسا. وتتضمن المناورات هجومًا بحريًا وعمليات جوية مشتركة وتدريبات بالذخيرة الحية. وهي موجهة بشكل واضح ضد الصين. وفي الوقت نفسه، تهدف إلى تبديد مخاوف حلفاء الولايات المتحدة على قدرة الأخيرة على تقديم الدعم ي حال نشوب صدام مباشر مع الصين، على الرغم من استمرار الحروب العدوانية الامريكية – الإسرائيلية في الشرق الأوسط.
وردا على هذه التطورات تظاهر الأحد الفائت، قرابة 36 ألف في طوكيو احتجاجًا على التوسع العسكري الياباني السريع. وفي الإثنين الفائت، خرج تظاهرة صغيرة، ضمت العشرات، إلى الشوارع قرب العاصمة الفلبينية مانيلا للتظاهر ضد مناورات "باليكاتان 2026". وفي بكين، أكد المتحدث باسم وزارة الخارجية، غو جياكون، أن منطقة آسيا والمحيط الهادئ بحاجة إلى "السلام والهدوء" وعدم تدخل أي قوى خارجية تزرع "الانقسام والمواجهة". وقال إن الولايات المتحدة واليابان والفلبين "تلعب بالنار" بمناوراتها العسكرية.