اخر الاخبار

بعد مرور قرابة 10 سنوات على بدء دوتيرتي حربه على المخدرات، وما تخللها من عمليات قتل تعسفية لم تشهدها الفلبين من قبل، يخطو المجتمع خطواته الأولى لكسر جدار الصمت وكشف الحقائق. لقد تم تشكيل لجنة كشف الحقيقة في وقتٍ ينشغل فيه الرأي العام في البلاد بقضايا ملحة أخرى، كالصراع على السلطة في مجلس الشيوخ، ومحاكمة عزل نائبة الرئيس سارة دوتيرتي الوشيكة، وفضيحة فساد مكافحة الفيضانات، وقضية المحكمة الجنائية الدولية المرفوعة ضد دوتيرتي نفسه. ولكن هذا كله لا يقلل من أهمية تشكيل اللجنة وضرورة وجودها.

فموجة القتل التي طبعت سنوات دوتيرتي، والإفلات من العقاب الذي ميّزها، مهددان بمغادرة الذاكرة الجمعية تحت وطأة القضايا الجديدة التي تواجه المجتمع، الذي انتقل من أزمة إلى أخرى، دون حلّ أي منها، ودون استخلاص أي دروس، أو القيام بأي فعل ذي جدوى لمنع تكرار الأزمات.

يوم تاريخي

 لهذا اعتبر ضحايا "حملة مكافحة المخدرات" التي شنّها دكتاتور الفلبين السابق رودريغو دوتيرتي، يوم 27 أيار يوماً تاريخياً طال انتظاره؛ حيث تضافرت جهود مجموعة من ممثلي الكنيسة والمجتمع المدني لتشكيل لجنة للتحقيق في أوجه القصور لدى كل من المحكمة الجنائية الدولية والنظام القضائي الفلبيني. والهدف هو تحقيق العدالة لضحايا عمليات القتل الكيفي في "الحرب الدموية على المخدرات" التي شنّها نظام دوتيرتي.

تم تشكيل "لجنة الحقيقة والمصالحة الفلبينية" حديثاً بدعوة من الكاردينال بابلو فيرغي ليو ديفيد، أسقف كالوكان، والذي كان حتى نهاية العام الفائت رئيساً لمؤتمر الأساقفة الكاثوليك في الفلبين. ويرأس اللجنة المكونة من خمسة أعضاء راؤول بانغالانغان، العميد السابق لكلية الحقوق بجامعة الفلبين والقاضي السابق في المحكمة الجنائية الدولية. أما الأعضاء الآخرون فهم: راكيل فورتون، أخصائية الطب الشرعي؛ ودانيال فرانكلين بيلاريو، رئيس جامعة أدامسون؛ وآل فويرتيس، الباحث في مجال السلام والنزاعات؛ وكارلوس كوندي، الصحفي والباحث في مجال حقوق الإنسان.

قال ديفيد للصحفيين في مدينة ماندالويونغ، قرب مانيلا، خلال الإعلان عن لجنة الحقيقة: "هذه فرصة للتنفيس عن المشاعر، حتى نستعيد كرامتنا كأمة"، واصفاً هذه الخطوة بأنها طال انتظارها. وأوضح أن اللجنة ستركز على توثيق روايات الضحايا ومساعدة عائلاتهم، بالإضافة إلى "مسؤولي إنفاذ القانون التائبين"، على تجاوز هذه المحنة. وأضاف: "في نهاية المطاف، نسعى إلى شفاء الضحايا ومؤسساتنا أيضاً".

استذكر ديفيد ملابسات مقتل كيان ديلوس سانتوس، الشاب البالغ من العمر 17 عاماً، الذي قُتل بالرصاص في 16 آب 2017. وقد حظيت القضية باهتمام جماهيري واسع نظراً لتناقض تقارير الشرطة الرسمية مع أقوال الشهود ولقطات كاميرات المراقبة. وأُدين أربعة ضباط شرطة بقتل ديلوس سانتوس. وقال الكاردينال، الذي سبق أن وجّه إليه دوتيرتي تهديدات بالقتل: "لم ينتهِ الألم بعد؛ لا تزال العديد من العائلات تبحث عن إجابات حول ما حدث، ولماذا حدث، وكيف يمكننا منع تكرار مثل هذه المأساة".

معطيات متضاربة

رغم أن الدكتاتور السابق دوتيرتي ملاحق من قبل المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي بتهم ارتكاب جرائم ضد الإنسانية، إلا أن النطاق الكامل لعمليات القتل الجماعي ما يزال مجهولاً. وقد أكد كوندي، الموظف السابق في منظمة هيومن رايتس ووتش، على ضرورة التحقق من هذه المعلومات الأساسية قائلاً: "أحد التحديات التي نواجهها هو أن لا أحد يعرف على وجه الدقة عدد الضحايا. لدينا أرقام متضاربة؛ تتحدث منظمات حقوق الإنسان عن 30 ألف ضحية، والأمم المتحدة عن 18 ألفاً، والحكومة عن ما بين 6 إلى 7 آلاف ضحية".

أكد رئيس اللجنة، بانغالانغان، أن مهمة لجنته تختلف عن مهمة المحكمة الجنائية الدولية التي تختص بالبت في تبرئة المتهمين أو إدانتهم وتعويض الضحايا. وقال: "هدفنا هو كشف الحقيقة بالتعاون مع الضحايا". وأضاف أن الأدلة التي جُمعت من خلال جلسات الاستماع قد تُسهم في مقاضاة المتورطين بشكل مباشر في "الحرب على المخدرات" والذين لم يُحاسبوا بعد، معرباً عن أسفه لأن "هذه الفظائع وقعت لأن الجميع غض الطرف".

ومن الصعب التكهن بما ستنجزه لجنة التحقيق المستقلة، ولكن إذا ما أعادت للموتى المجهولين أسماءهم ووجوههم وقصصهم، فمن الطبيعي أن تعيد للأحياء الثقة، وتطهرهم مما ارتكب باسمهم.

ترى ما عدد لجان تقصي الحقائق التي سيحتاجها ضحايا الملاحقة والقمع وذووهم في العراق، للكشف عن حقيقة ما حدث، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم المرتكبة؟