اخر الاخبار

عادت الأزمة بين الولايات المتحدة وإيران إلى واجهة المشهد الإقليمي والدولي مع انهيار الهدوء النسبي الذي أعقب توقيع مذكرة التفاهم بين الجانبين قبل 24 يوما، إذ تصاعدت التهديدات العسكرية، وتزايدت المخاوف من تعطل الملاحة في مضيق هرمز، بالتزامن مع تحركات دبلوماسية مكثفة لمنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة مفتوحة قد تكون لها تداعيات اقتصادية وأمنية عالمية.

ويأتي هذا التصعيد بعد 133 يوما من اندلاع الحرب، في وقت تبدو فيه المفاوضات الأمريكية الإيرانية أمام اختبار جديد، وسط تضارب بشأن إمكانية استئنافها، واتهامات متبادلة بعدم الالتزام بالتفاهمات.

ترامب يصعد لهجته

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أطلق أقوى تهديداته تجاه إيران منذ استئناف الأزمة، معلنا أن الجيش الأمريكي يمتلك "ألف صاروخ" جاهزة للإطلاق نحو إيران، تتبعها آلاف أخرى، إذا نفذت طهران أي محاولة لاغتياله.

وأكد ترمب أنه أصدر أوامر بإبقاء القوات الأمريكية في أعلى درجات الجاهزية لمدة عام كامل قابل للتمديد، مشيرا إلى أن الولايات المتحدة قادرة على "القضاء على كافة مناطق إيران" إذا تعرض لأي استهداف، لكنه في الوقت ذاته لم يغلق الباب أمام الحل السياسي، مؤكدا أن خيار التفاوض لا يزال قائما رغم انتهاء الهدنة.

طهران: لن نستسلم

في المقابل، رفضت إيران ما وصفته بسياسة التهديد الأمريكية، مؤكدة أنها لن تتخلى عن مصالحها الوطنية.

وقال رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف إن بلاده لم تكن يوما من دعاة الحرب، لكنها لن تستسلم للضغوط، مضيفا أن إيران مستعدة لـ "الدفاع الشامل" إذا أخلت الولايات المتحدة بالتفاهمات المبرمة.

كما أكد المتحدث باسم الخارجية الإيرانية أن القوات المسلحة الإيرانية تراقب جميع التحركات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية، وتحافظ على جاهزية كاملة لحماية أمن البلاد.

بدوره، اعتبر الباحث في العلاقات الدولية محسن فرخاني أن طهران لا تثق بواشنطن بسبب سجلها في عدم الالتزام بالاتفاقيات، مشيرا إلى أن أي اتفاق مستقبلي لن يكون قابلا للاستمرار ما لم يتضمن ضمانات حقيقية تمنع الولايات المتحدة من التراجع عنه.

تحركات دبلوماسية لاحتواء الأزمة

ورغم التصعيد العسكري، تتواصل الجهود السياسية لمنع انهيار مسار التفاهم.

ووصل وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى العاصمة العمانية مسقط لإجراء محادثات تتعلق بالأوضاع في مضيق هرمز ومستقبل الملاحة فيه، في إطار الدور الذي تلعبه سلطنة عمان كوسيط بين واشنطن وطهران.

كما أجرى الرئيس الأمريكي دونالد ترمب اتصالا هاتفيا مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، تناول تطورات المنطقة ومسار المحادثات الأمريكية الإيرانية، حيث شدد الجانبان على أهمية حماية الممرات البحرية والحفاظ على أمن الملاحة ومنع توسع الصراع. 

هرمز في قلب الأزمة

وبات مضيق هرمز مجددا بؤرة التوتر الرئيسية، بعدما انعكس التصعيد العسكري على حركة الملاحة الدولية.

وأفادت صحيفة "نيويورك تايمز" بتراجع كبير في عدد السفن العابرة للمضيق، بعد امتناع شركات شحن عن إرسال ناقلاتها نتيجة تصاعد المخاطر الأمنية.

وأكد الرئيس التنفيذي لشركة "ستيلث غاز" اليونانية أن شركته أرجأت عبور إحدى سفنها بسبب تدهور الأوضاع، مشيرا إلى أن المخاطر تتزايد "دقيقة بعد أخرى".

في المقابل، أعلنت القيادة المركزية الأمريكية أنها وفرت الحماية لأكثر من 800 سفينة تجارية وساعدت على عبور نحو 380 مليون برميل من النفط الخام منذ مطلع شهر مايو، في محاولة للحفاظ على انسيابية صادرات الطاقة العالمية.

ويرى مراقبون أن استمرار التوتر في المضيق قد يؤدي إلى اضطراب جديد في أسواق النفط العالمية، وارتفاع تكاليف النقل والتأمين، فضلا عن تهديد إمدادات الطاقة القادمة من الخليج.

مقترحات لإدارة المضيق

وفي محاولة لإيجاد مخرج للأزمة، كشفت صحيفة "الغارديان" عن مقترحات أوروبية وعمانية لإدارة الملاحة في مضيق هرمز، تتضمن إنشاء نظام شبيه بالنموذج المعمول به في مضيق ملقا، مع فرض رسوم اختيارية على السفن لتمويل عمليات الإدارة والحماية.

غير أن التقرير أشار إلى وجود انقسام داخل إيران، إذ يبدي بعض المسؤولين استعدادا للتعاون، بينما يرفض آخرون، خصوصا داخل الحرس الثوري، أي ترتيبات قد تمنح أطرافا دولية دورا في إدارة المضيق.

في الوقت نفسه، كشفت صحيفة "معاريف" الإسرائيلية أن الجيش الإسرائيلي أنهى إعداد خطة لضرب البنية التحتية الإيرانية، إلا أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يفضل حتى الآن عدم الانخراط المباشر في المواجهة الحالية، وسط ضغوط خليجية على واشنطن لمنع توسيع دائرة الصراع.

عقوبات أمريكية جديدة

وعلى الصعيد الاقتصادي، فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات جديدة استهدفت رجل الأعمال والمصرفي الإيراني علي أنصاري و13 شخصا وكيانا آخرين، بتهمة تمويل شخصيات وكيانات مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني، وذلك بعد استئناف الهجمات على ناقلات النفط في مضيق هرمز.

تعكس التطورات الأخيرة هشاشة التفاهم الذي أبرمته واشنطن وطهران، إذ يبدو أن الطرفين يحاولان الجمع بين سياسة الردع العسكري والإبقاء على قنوات التفاوض مفتوحة في الوقت ذاته.

وبينما تتواصل التحركات الدبلوماسية عبر سلطنة عمان والاتصالات الإقليمية، يبقى مستقبل الأزمة مرهونا بمسارين متوازيين؛ الأول يتعلق بقدرة الجهود السياسية على إعادة الطرفين إلى طاولة المفاوضات، والثاني يرتبط بمستوى التصعيد العسكري في مضيق هرمز، الذي لا يمثل ممرا بحريا استراتيجيا فحسب، بل يعد أحد أهم شرايين الطاقة والاقتصاد العالمي، ما يجعل أي اضطراب فيه قادرا على تجاوز حدود المنطقة ليترك آثاره على الأسواق الدولية بأسرها.