مع انتهاء مهلة الستين يوماً المرتبطة بمذكرة التفاهم بين إيران والولايات المتحدة، تدخل المواجهة بين البلدين مرحلة أكثر تعقيداً، بعدما تحولت المهلة التي كان يفترض أن تفتح الطريق أمام اتفاق ينهي الحرب إلى عنوان جديد للصراع السياسي والعسكري، في ظل تمسك طهران برفض ما تسميه «الإنذارات الأمريكية»، واستمرار واشنطن في استخدام الضغوط الاقتصادية والعسكرية أملاً في فرض شروطها.
وتؤكد طهران أن مذكرة التفاهم لم تتضمن هدنة مؤقتة لمدة 60 يوماً، وإنما مهلة لإجراء مفاوضات بشأن إنهاء الحرب ورفع العقوبات والملف النووي. ويقول وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إن الولايات المتحدة خرقت المذكرة بعد أسابيع قليلة من توقيعها، ولذلك لم تبدأ المفاوضات فعلياً، معتبراً أن إيران ليست طرفاً يمكن دفعه إلى اتخاذ قراراته تحت ضغط المواعيد النهائية والإنذارات.
هذا الموقف يعكس رؤية إيرانية ترى أن واشنطن تحاول تحويل التفاوض إلى أداة ضغط، بدلاً من أن يكون طريقاً متكافئاً إلى تسوية سياسية. ومن هذه الزاوية، فإن انتهاء المهلة لا يعني بالنسبة إلى طهران العودة الآلية إلى الحرب، بقدر ما يعني انتهاء إطار زمني لم يجرِ استثماره بسبب ما تعتبره خرقاً أمريكياً للاتفاق.
هرمز في قلب المواجهة
وفي ظل تعثر المسار السياسي، يحتفظ مضيق هرمز بموقعه كأحد أهم أوراق الضغط الإيرانية. فالممر الذي كان يمر عبره قبل الحرب جزء كبير من تجارة النفط والغاز العالمية، يشهد تراجعاً حاداً في حركة الملاحة، بالتزامن مع تصاعد التوتر والهجمات على ناقلات النفط.
وتشير بيانات شركة «كبلر» إلى أن خمس سفن شحن للسلع الأساسية عبرت المضيق السبت، مقابل عدم تسجيل أي عبور الأحد، في حين كانت الحركة في بداية الأسبوع السابق عند نحو 31 سفينة. كما باتت حركة الشحن بعيدة بصورة كبيرة عن مستويات ما قبل الحرب، حين كان أكثر من 130 سفينة يعبر المضيق يومياً.
وتحمّل طهران واشنطن مسؤولية تدهور الوضع الملاحي، بينما تجري مفاوضات مع سلطنة عُمان للبحث عن آلية تضمن أمن الملاحة. وفي الوقت نفسه، تبذل قطر وباكستان جهوداً للتهدئة، في محاولة لمنع تحول أزمة المضيق إلى أزمة اقتصادية عالمية أوسع.
ومن منظور اقتصادي، فإن استمرار التضييق على واحد من أهم شرايين الطاقة العالمية لا يهدد إيران وحدها، بل يرفع كلفة النقل والطاقة على الأسواق الدولية، ويكشف مجدداً أن الحروب التي تُخاض باسم الحسابات الجيوسياسية يدفع ثمنها في نهاية المطاف العمال والمستهلكون والشعوب، عبر ارتفاع أسعار الوقود والغذاء والكهرباء.
واشنطن بين الحرب والضغط الاقتصادي
في المقابل، يبدو أن إدارة الرئيس دونالد ترمب تبحث عن مخرج من مأزق الحرب من دون تقديم تنازل سياسي يمكن أن يظهر كـ«هزيمة». فمع تراجع جاذبية الخيار العسكري وارتفاع كلفته السياسية والاقتصادية، تتجه واشنطن بصورة أكبر نحو الضغط الاقتصادي، مع استمرار الخطاب المتشدد بشأن مضيق هرمز.
وتزداد صعوبة الموقف الأمريكي مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، في وقت أصبحت فيه أسعار الطاقة والسلع من القضايا المؤثرة في الناخب الأمريكي. وتراهن الإدارة الأمريكية على إمكانية خفض أسعار الوقود، في محاولة لاحتواء التداعيات الاقتصادية للحرب وتحويل أي اتفاق مستقبلي إلى مكسب سياسي.
لكن هذه الحسابات تكشف مفارقة أساسية: فواشنطن تريد إنهاء الأزمة بأقل كلفة ممكنة، في حين أن استمرار العقوبات والحصار والتصعيد العسكري يفاقم اضطراب أسواق الطاقة ويزيد الأعباء على الاقتصاد العالمي.
إيران لا تغلق باب التفاوض
ورغم تشدد الخطاب الإيراني، فإن طهران لا تغلق الباب أمام الدبلوماسية. فاستمرار الاتصالات مع قطر وباكستان، والمحادثات مع سلطنة عُمان بشأن الملاحة، يشيران إلى أن القنوات السياسية لم تتوقف بالكامل.
لكن إيران تربط أي عودة جدية إلى التفاوض بإنهاء الحرب والالتزام بالتفاهمات السابقة، إلى جانب ضمانات تمنع تكرار ما تعتبره خرقاً أمريكياً للاتفاقات. وتريد طهران، وفق هذا المنطق، أن تجعل أي اتفاق مقبل قائماً على توازن في الالتزامات، لا على صيغة تفرض فيها القوة العسكرية والاقتصادية الأمريكية شروطها.
وفي المقابل، تملك واشنطن ثلاث أدوات رئيسية: القوة العسكرية، والإكراه الاقتصادي، والدبلوماسية. وتبدو الإدارة الأمريكية أكثر ميلاً في المرحلة الحالية إلى الجمع بين العقوبات والضغط السياسي، مع إبقاء الخيار العسكري حاضراً كورقة تهديد.
أزمة تتجاوز طهران وواشنطن
ومنذ انهيار المسار الدبلوماسي، لم تعد المواجهة محصورة بين إيران والولايات المتحدة. فقد امتدت آثارها إلى الخليج والبحر الأحمر وباب المندب وأسواق الطاقة العالمية، فيما تراجعت حركة السفن في الممرات البحرية الاستراتيجية.
وهنا تكمن خطورة المرحلة المقبلة: فكلما طال أمد الصراع، ارتفعت كلفته على المنطقة والعالم، بينما يبقى المدنيون والاقتصادات الهشة الأكثر تعرضاً لنتائجه.
ومع انتهاء مهلة الستين يوماً، لا تبدو إيران أمام خيار واحد، بل أمام مسارات متوازية: إبقاء باب التفاوض مفتوحاً عبر الوسطاء، وتعزيز أوراق الضغط، والحفاظ على الجاهزية العسكرية، مع السعي إلى تأمين الملاحة وفق شروطها.
أما واشنطن، فتواجه معادلة أكثر صعوبة: كيف تحافظ على سياسة الضغط من دون الانجرار إلى حرب طويلة، وكيف تحقق تسوية يمكن تقديمها داخلياً بوصفها انتصاراً، بينما تتزايد كلفة الصراع على الاقتصاد العالمي.
وفي المحصلة، فإن انتهاء المهلة هو بداية مرحلة جديدة منها. والأيام المقبلة كفيلة إذا ما كانت الدبلوماسية ستتمكن من انتزاع الصراع من منطق القوة والحصار، أم أن المنطقة ستبقى رهينة مواجهة تدفع الشعوب ثمنها بينما تتصارع القوى الكبرى على النفوذ والطاقة والممرات الاستراتيجية.