اخر الاخبار

في الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية، الأخيرة دُعي 7.3 مليون ناخب للإدلاء بأصواتهم، يضمنهم نحو 1.17 مليون مواطن فلسطيني، أي قرابة 18 في المائة من مجموع الناخبين، وكانت نسبة مشاركة الفلسطينيين، هذه المرة عالية جدا، اذ بلغت 80 في المائة.

برلمان الطريق المسدود

وحصل الائتلاف الحاكم المكون من أحزاب يمينية ويمينية متطرفة ودينية على 53 مقعداً في البرلمان (مقارنة بـ 64 مقعداً في عام 2022)، في حين يتطلب تحقيق الأغلبية الحصول على 61 مقعداً. وقد خسر حزب "الليكود" - بزعامة رئيس الوزراء نتنياهو- خمسة مقاعد، لكنه ظل الحزب الأقوى في البرلمان بحصوله على 27 مقعداً. وفشل أيضاً التكتل الائتلافي المتنوع للمعارضة الصهيونية في الحصول على الأغلبية، إذ لم يحصد سوى 48 مقعداً.

ولن يتغير هذا الوضع إلا إذا تجاوزت أحزاب المعارضة الصهيونية عنصريتها المتطرفة وقررت التعاون مع "القائمة المشتركة" التي تضم الشيوعيين وقوى تقدمية فلسطينية أخرى و"القائمة العربية الموحدة" ذات التوجه الاسلامي. لكن هذا الاحتمال يبدو بعيداً جداً.

وكتبت مايا ليكر، نائبة رئيس تحرير صحيفة "هآرتس" بنسختها الإنجليزية: "على الرغم من أن غالبية الأصوات كانت ضد نتنياهو، إلا أن حكمه دفع بالبلاد نحو العنصرية، وأوصلها إلى حافة نظام ديكتاتوري قائم على الفصل العنصري (الأبارتهايد)؛ لدرجة أن مفتاح التغيير وهو التعاون مع النواب العرب المنتخبين ديمقراطياً، ما يزال خارج دائرة النقاش تماماً". 

أهمية النجاح الانتخابي الفلسطيني

اعتبرت القائمتان الفلسطينيتان (المشتركة والموحدة) الفائز الحقيقي في الانتخابات، حيث ضاعفت تمثيلها من 10 نواب إلى 19 نائباً.  لقد ضاعفت "القائمة المشتركة" عدد مقاعدها من خمسة إلى 11 مقعداً. وتضم "القائمة المشتركة" تحالف "الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة" اليساري ثنائي القومية، الذي يضم الحزب الشيوعي والتجمع الوطني الديمقراطي (بلد)، والحركة العربية للتغيير (تعال). وحصلت القائمة الموحدة على 8 مقاعد بدلا من 5 في الانتخابات السابقة.

سياسيا، لقّن المواطنون الفلسطينيون في إسرائيل المعسكر الصهيوني الليبرالي العلماني درساً. يقول أيمن عودة، رئيس "القائمة المشتركة" إلى جانب أحمد الطيبي، إن التحالف الذي يقوده نتنياهو كان سيحقق أغلبية مطلقة في الانتخابات لولا وجود المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل. وكتب عودة في منشور على منصة "إكس": "لولا المواطنون الفلسطينيون، لكان نتنياهو وبن غفير وسموتريتش يحتفلون اليوم بالفعل". وأضاف: "لكن الحقيقة بسيطة؛ فالمواطنون الفلسطينيون وحدهم لا يستطيعون إحداث التغيير، ومن دوننا يستحيل هزيمة ذلك المعسكر. فبدون شراكة حقيقية ومتساوية بين اليهود والفلسطينيين، يستحيل بناء مستقبل أفضل لنا جميعاً هنا. ونحن جميعاً نستحق مستقبلاً كهذا".

وقال رفيقه في الجبهة يوسف جبارين، بأن القائمة مستعدة للمساهمة في الإطاحة بالحكومة اليمينية المتطرفة: "لقد دأب نتنياهو على التحريض ضد السكان الفلسطينيين، ولهذا نقول اليوم بوضوح تام: إما الاستمرار في نهج العنصرية والإقصاء والهيمنة، أو المضي نحو شراكة حقيقية بين اليهود والفلسطينيين". و" نعم، نحن مستعدون لتمهيد الطريق للإطاحة بنتنياهو".

وبات واضحا تماماً في الظروف الاعتيادية، لا يمكن إقصاء حكومة نتنياهو الفاشية، دون التعاون مع القوائم الفلسطينية؛ فلولا مشاركة الفلسطينيين في التصويت بنسبة استثنائية، لكان ائتلاف رئيس الوزراء قد حقق الفوز بسهولة نسبية.

لا حل يلوح في الأفق

صعوبة تشكيل حكومة جديدة، تبقي نتنياهو ومعه خيار الاعتماد على الحرب في السلطة، على الرغم من أن النتائج أطاحت بأغلبية حرب الإبادة في قطاع غزة. أما إمكانية بناء دولة تضمن حقوقاً متساوية للجميع، فبدت صعبة التحقق، نتيجة لعمق تجذر إقصاء الفلسطينيين، إذ تظل السلطة السياسية في إسرائيل حكراً على الصهاينة. وهكذا، ينشأ وضع متناقض: فبينما صوّتت الأغلبية لصالح الإطاحة بنتنياهو، يبدو تشكيل ائتلاف حكومي شبه مستحيل.

يُعد يائير غولان، زعيم حزب "الديمقراطيين" الوحيد ضمن كتلة المعارضة الصهيونية، الذي أبدى تفهما للتعاون مع قائمتي المشتركة والموحدة، اللتين ابديتا استعدادهما للتعاون مع المعارضة لإزاحة تحالف نتنياهو الفاشي من السلطة. أما بقية قوى المعارضة الصهيونية، فتصف النواب الفلسطينيين بداعمي الإرهاب والخونة. وبذلك يتفقون مع وصف نتنياهو لسكان البلاد من الفلسطينيين بالأجانب. ولا يبدو الأمر غريبا، لأن 92 في المائة من السكان اليهود صوتوا لأحزاب صهيونية يمينية او فاشية. و11 في المائة منهم يؤيدون التعاون مع القائمة الموحدة، و3 في المائة فقط يؤيدون التعاون مع المشتركة.

إن خطوط الانقسام الثلاثة: العنصرية ضد الفلسطينيين، وإعفاء اليهود المتشددين (الحريديم) من الخدمة العسكرية، والإصلاح القضائي، تشكل السببَ الجوهري وراء حالة الجمود التي تعيشها البلاد في أعقاب الانتخابات. ولحل هذه العقدة، سيتعين على الأطراف الفاعلة التراجع عن وعود انتخابية جوهرية كانت قد قطعتها. أما المستفيد من هذا المأزق فهو، مرة أخرى، بنيامين نتنياهو؛ فما دامت الحكومة لم تتشكل بعد، فإنه سيظل في منصبه كرئيس وزراء لتصريف الأعمال حتى إجراء انتخابات جديدة في الربيع المقبل.