اخر الاخبار

هناك عدة منهجيات يمكن استخدامها لتقييم النتائج المخيبة التي حصدها تحالف البديل وبالتحديد الحزب الشيوعي العراقي الذي خاض حملة انتخابية تميزت بفعاليات جماهيرية واسعة وبمشروع يستجيب  لمتطلبات التنمية الاقتصادية والاجتماعية المستدامة والعدالة الاجتماعية وممارسات تحترم مبادئ الدستور العراقي والقيم الإنسانية والأخلاقية وهي علامة فارقة لهم في النشاط السياسي والجماهيري لتعزيز التماس مع الناخب رافقتها حركة إعلامية نشيطة لرفع الوعي الانتخابي استخدمت فيها الأدوات الإعلامية التقليدية والجديدة ومنها تقنيات التواصل الاجتماعي.

أحد هذه المقاربات هو "تحليل السبب الجذري" لتحديد الأسباب الأساسية والحقيقية وراء الفشل في حصد الأصوات تكمل التوصيفات التي تعتمد تقييم وتحليل نتائجها لخروج باستنتاجات موضوعية على المستويين الاستراتيجي والتكتيكي تسهم في تعظيم قدرة الجهاز الحزبي وتمكينه من تحسين الأداء الجماهيري لحصد نتائج أفضل في المعارك الانتخابية القادمة عند اتخاذ قرار المشاركة بها باعتبارها طريقا سلميا من أشكال النضال الممكن اتباعها في الظرف التاريخي الحالي بسبب توفر هامش يضيق ويتسع لإحداث التغيير المطلوب سلميا على طريق تحقيق بناء مجتمع عادل أساسه المساواة والعدالة الاجتماعية ويضمن الحرية والسعادة للشعب العراقي.

 وعندما ننتقل من العام إلى الخاص يأتي السؤال الاستراتيجي حول مصداقية قرار المشاركة في هذه الانتخابات التي اعتبرت الأسوأ من حيث نتائجها منذ 2003. ومن منظور نظري وفلسفي قدمت مقالة الرفيق رضا الظاهر "عودة أخرى إلى الينابيع - طريق الشعب 27 تشرين الثاني 2025” عرضا واضحا للموقف الماركسي منها سواء بالمشاركة من عدمه. فالانتخابات لدى الشيوعيين ليس تكتيكا غايته حصد أصوات الناخبين، بل أحد مسارح الصراع الطبقي الذي يخاض بفلسفة ورؤية ومنهج وأدوات وآليات تختلف نوعيا عن تلك عند اتباع الطريق المسلح والذي للحزب الشيوعي العراقي فيها تجربة ملهمة وتاريخية في خوض حرب الأنصار الباسلة ضد النظام البوليسي ما قبل 2003.

ولكن يبقى السؤال المشروع مطروحا بقوة عن أسباب فشل اليسار بشكل عام والشيوعيين بشكل خاص في ضمان حشد عدد من الأصوات حتى بالحدود المعقولة. وقد عزا العديد ممن كتبوا حولها إلى ممارسات الضغط والإكراه والابتزاز واستخدام مؤسسات الدولة والأموال الفاسدة مدعومة بقانون انتخابي مسيس وغير ذلك من مظاهر فضحها بدقة إعلام الحزب الشيوعي العراقي وحركة اليسار العراقي. ولكن هناك بعد آخر لتراجع الأداء الانتخابي مرتبط بالمتغيرات في طبيعة وبنية المجتمع العراقي بحاجة إلى تسليط الضوء عليها وبمنهجية التحليل المادي الجدلي للخروج من وهم فرضيات ما بعد الحداثة الشائعة للتوصل إلى تصورات فاعلة لتحفيز الناخب على المشاركة والتصويت من منطلق أن إدلاء صوته في الانتخابات تعني خطوة إضافية على مسار تحقيق البديل الديمقراطي.

 ومن الجدير بالذكر أن المجتمع العراقي وبخصوصياته يتحرك ويتطور على أساس قوانين موضوعية تعمل بصورة مستقلة عن وعينا كبقية المجتمعات البشرية التي عاشت في حدود جغرافية خلقتها لحظات تاريخية وليست كما يصفها البعض كتراكم لمظاهر منعزلة سببها التريف او الصدفة او صراع الإرادات وغيرها من التفسيرات المثالية التي يقحم فيها البعض أحيانا المفهوم الملغوم عن "الشخصية العراقية" الذي يعتمد على التأويل والاستنباط وليس البحث العلمي الرصين. وغالبا ما تنتهي هذه السرديات إلى استنتاجات بعضها يعتمد على أمة متخيلة منها أن العراق كيان جغرافي مصطنع وأن الشعب العراقي يمثل كتلة غير متجانسة من ولاءات مذهبية وقومية تمثل حالة هروب من مقاربة التحليل الطبقي نحو ملاذ آمن توفره فرضية صراع الهويات المكوناتية لأسباب عقائدية وإثنية، ووصل الأمر بالبعض من المنسجمين مع الفكر النيوليبرالي والبراغماتي في عقد الصفقات النفعية إلى التشكيك بوجود هوية وطنية عراقية والتبشير بتقسيمه إلى كانتونات بحجة الشرق الأوسط الجديد والتي تتناغم معها موضوعيا البنية السياسية من ثلاثة تكتلات تتصارع فيما بينها التي جاءت بها انتخابات 2025 .

 فمن المنظور المادي يمثل المجتمع العراقي تشكيلة معقدة ناتجة عن تفاعل الناس مع بعضهم البعض ككائنات واعية ماديا وروحيا (الدين) تلعب دورا في عملية انتاج او استهلاك وتبادل السلع وله تاريخه من الأحداث الكبيرة منها والصغيرة التي لا تتكرر كونها نتاج الظروف الموضوعية والذاتية لتلك اللحظة التاريخية كتجسيد للتناقضات الطبقية المرتبطة بنمط الإنتاج السائد ولكن تظهر إلى السطح كأحداث سياسية واجتماعية، لأن السياسة في جوهرها هي اقتصاد مكثف وانعكاس لمستوى المعرفة والوعي السائد بما فيه من أوهام وخرافات وتصورات مشوهة. وبعد 2003 تشكلت الفسيفساء السياسية من تيارات الإسلام السياسي والنيوليبرالية والليبرالية واليسارية والشيوعية كمنظومات فكرية وسياسية تجسد الصراع الطبقي الجاري حول وجهة التطور اللاحق في الاقتصاد والمجتمع العراقي وأغلبها تحمل رؤى تعيق موضوعيا صيرورة التقدم الاجتماعي للارتقاء إلى مجتمع جديد يحترم الحرية والمساواة والديمقراطية والعدالة الاجتماعية لأنها تصطدم بامتيازاتها ومصالحها في احتكار الثروة والسلطة واستخدام العنف عندما يتصاعد الضغط الشعبي كما حدث في انتفاضة تشرين.

ولا ينفرد المجتمع العراقي بهذه الظواهر، بل نجد مثيلها في بلدان عديدة أخرى وفي جوهرها أن الفئات البرجوازية المهيمنة باختلاف مسمياتها لا تمثل قوى اجتماعية واعدة كما كان الأمر مع صعود النظام الرأسمالي في أوروبا بل هي فئات اجتماعية مأزومة تمثل عائقا أمام تحقيق متطلبات التنمية الاقتصادية والاجتماعية المستدامة ذات الطابع الرأسمالي لأن ما خرج عن انتخابات 2025 في العراق مثلا هو مجرد إعادة تدوير ذات الفئات البرجوازية وفي غياب واضح لدور الفئات الوسطى والفقيرة واستنساخ مشوه وكوميدي للبنية السياسية اللبنانية الفاشلة.

فمنذ بداية الحكم الملكي الذي شهد سيطرة الاقطاع والتجار ورجال الدين بدأ توسع نسبي ومحدود للطبقة الوسطى واستمر في مرحلة الجمهورية الأولى ومن ثم تأكلها المتسارع بعد عمليات التأميم العارفي في تموز 1964 كقرار سياسي للتماثل مع التجربة الناصرية وأدت إلى نتائج سلبية منها إضعاف القطاع الخاص والمصرفي وانخفاض الكفاءة الاقتصادية والاعتماد على النفط كمصدر رئيس للإيرادات والذي تحول تدريجيا خاصة بعد تأميم النفط عام 1972 إلى رأسمالية الدولة ونمو تدريجي لشكل عراقي مميز لسلطة الاستبداد الشرقي بلباس قومي بعثي. وأدت العقوبات الاقتصادية وهجرة أعداد غفيرة إلى الخارج إلى تلاشيها موضوعيا فاقم منها هيمنة الاقتصاد الريعي النفطي وتحطيم البنى الاقتصادية الوطنية بعد 2003 الذي له تداعيات اجتماعية نفسية منها شعور بالأحقية في الحصول على وظيفة حكومية سعيا وراء الراتب الشهري وظهور أشكال من "العبودية الطوعية" كرسها نظام المحاصصة في تسخير الثروة الوطنية كسبا للولاء والنفوذ.

هذا الانقطاع في مسار الفئات الوسطى عراقيا أضعف تكونها كطبقة ذات كيان اجتماعي متماسك نتيجة تعدد الولاءات والتنافر المهني والفئوي وخليط واسع وغير متجانس من موظفي الدولة والتجار الصغار والمهنيين والأكاديميين والمثقفين وامتزاجها مع البنى الاجتماعية المحلية من عوائل وعشائر رجال دين والتراتبية في داخلها التي يحددها حجم الملكية الخاصة. وكان لتقلص حجمها وتلاشي دورها من المسرح السياسي العراقي ومن عملية الإنتاج في احتلالها موقعا وسطا في التسلسل الهرمي الاجتماعي بين الأقلية المالكة والأغلبية المحرومة من شغيلة اليد والفكر وبضمنها كمصدر للثقافة. وقد انعكس هذا الانقطاع أيضا على نموها وتطور مستوى وعيها "لذاتها" كفئة اجتماعية وفقدها القدرة على إحداث التغيير عبر تحالفات كما حدث في العهد الملكي والحكم الجمهوري الأول.

ولهذا السبب البنيوي جاء غيابها الواضح في الانتخابات العراقية السابقة والحالية المتعاقبة، بل ومن غير الممكن بنيويا من المنظور الاستراتيجي أن تنهض مجددا كطبقة اجتماعية "بذاتها" تتوسط الهرم الاجتماعي وتشكل الرأسمال الثقافي وإن كان إرثها الثقافي وإسهامها الحضاري خزين مستمر في عمق الذاكرة العراقية من رموز سياسية وأدبية وفنية شاهداً على إسهاماتها الحضارية إلا إذا حدث تغير جذري في صيرورة ومسار التطور الاقتصادي والاجتماعي اللاحق. ففي هذه المرحلة التاريخية يصبح التعويل على دورها قرارا تكتيكيا خاطئا أشبه بالهروب إلى الوراء.

ولا يقتصر تضاؤل وضمور دور الفئات الوسطى كرافعة للتنمية الاقتصادية والفكرية على العراق وحده بل هي ظاهرة عالمية رافقها ظهور بدائل ارتبطت بالدور المتصاعد لفئات الشباب والنساء والحركات الاجتماعية ومنظمات المجتمع المدني والتي عراقيا بحاجة إلى المزيد من البحث والدراسة من الجوانب النظرية والتطبيقية بما يرفع من وعيها لذاتها كفئات اجتماعية ناشئة لها آفاق وإمكانات واسعة وبضمنها تطوير أدوات واليات فكرية وتعبوية تساعدها على ذلك وتخرجها من مأزق الخنوع والتبعية للإغراءات العديدة هربا من الفقر والجوع لهم ولعوائلهم.

من الجانب الآخر يستمر تردي أوضاع الطبقة العاملة والفلاحين وشغيلة الفكر الذي تصاعد في ظل النظام البوليسي القمعي وبعد 2003 نتيجة زيادة بؤس الفئات الفقيرة والمهمشة سببها ارتفاع تكاليف المعيشة وتردي أجور وفرص العمل والسكن اللائق وحيث أصبحت البطالة ظاهرة مزمنة وخاصة في الأوساط العمرية التي يطلق عليها جيل الألفية. وقد كانت أحد النتائج هو تقلص وعيها الطبقي تجاه المشاركة في النضال السياسي وتراجع دورها في تصدر النضالات المطلبية والطبقية التي كانت أحد مميزاتها ولغاية سبعينيات القرن الماضي.

في مواجهة هذا المشهد يواجه الحزب الشيوعي العراقي واقعا يختلف عن عهود النضال السابقة مما يتطلب بحثا وتدقيقا في تبعاتها الاستراتيجية والتكتيكية على الصعيدين النظري وفي الممارسة (البراكسيس) وبالاحتكام إلى العقل الحزبي الجمعي عبر الصراع الفكري الحيوي الذي يعزز وحدة الحزب التنظيمية (والتي تختلف عن ذاك الذي يتم خوضه في داخل الحراك اليساري) وتدقيق أشكال وأساليب النضال الممكنة التي يجب اتباعها من أجل تحقيق مجتمع العدالة والمساواة.

ومن الموضوعات التي سيتم الجدل حولها دور الأدوات والآليات الضرورية لتعزيز مكانة ودور الحزب في انتخابات 2029 (إن تم القرار بخوضها بعد تحليل المشهد السياسي بظروفه الذاتية والموضوعية وتوازن القوى) لتعبئة وتحشيد أوسع الجماهير لتحقيق صدى انتخابي يعكس مكانة ودور الحزب الشيوعي العراقي الموضوعي في المشاركة برسم مستقبل العراق على الصعيد السياسي، والاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي.

ويمكن تقسيم هذه الموضوعات إلى خمسة محاور، الأول الآليات التنظيمية مثل ضرورة استحداث مكتب حزبي دائم متخصص بالانتخابات في حالة قرار المشاركة فيها من عدمه مهمته رسم ومتابعة وحوكمة الخطط العامة لخوض المعركة الانتخابية القادمة على ضوء تقييم الانتخابات وقرارات المؤتمر الثاني عشر وتنظيم ورشات عمل متخصصة حول المهمات التكتيكية والتقنية استعدادا لانتخابات 2029 ويتم كل ذلك بأشراف من قيادة الحزب، والثاني الفكري مرتبط ببناء أرضية فكرية مشتركة عبر الحوار والجدل الموضوعي حول الطريق السلمي للتغيير وأشكاله وخصوصياته ومتطلباته الحالية، وثالثا التحالف الانتخابي واختلافه عن التحالفات الاستراتيجية ونقاط القوة والضعف والذي كان وما يزال مثيرا للجدل في جميع التحالفات السابقة السياسية والانتخابية ولسبب موضوعي كونها انعكاسا لديناميكية الصراع الطبقي المتغيرة باستمرار ذاتي في فهمها وتسخيرها لتعزيز نفوذ الحزب واليسار العراقي،  ورابعا أشكال العمل الجماهيري التاريخية منها والجديدة خاصة في أسلوب العمل من تحت لإيجاد نقاط تماس مع الفئات الهامشية وسكنة العشوائيات وتجمعات الطلبة والشباب والنساء، وخامسا الآليات والأدوات الإعلامية بمضمون الخطاب السياسي والانتخابي وسبل الاستفادة القصوى من أدوات التواصل الرقمية بأنواعها المختلف وتطوير قدرات شبابية من صناع الرأي الشعبي في الفضاء الرقمي.