اخر الاخبار

لم يعد خافيا على أحد، أن بلدنا يمر بأزمة مزمنة، منذ كتابة الدستور، فالبعض يرى أنها بدأت جراء الطريقة التي كتب بها هذا الدستور، والبعض الآخر جراء نوايا من كتب الدستور، وثالث يرى أنها نتاج عوامل اجتماعية منها الظاهر ومنها المستور، ولكن في المحصلة أنها أزمة صارت ككرة الثلج تكبر كلما تدحرجت الأعوام وكلما تجاوزنا المحظور.

جوهر الأزمة العراقية

سؤال يتبادر إلى ذهن كل مواطن عراقي وفي كل لحظة، ما هو جوهر الأزمة العراقية؟ ومن هو المتسبب فيها.؟  الجواب،  إنها أزمة مركبة تتكون من اصطفاف طائفي تجذر على مدى أكثر من عقدين ليتحول إلى عقدة يصعب حلها بسبب خشية القادة أولا على مستقبلهم السياسي بعد انفضاض حقيقي للناس من حولهم وعن تنظيماتهم السياسية، وانها ثانيا عقدة بنوية تتكون من نظام سياسي استشرى في ثناياه الفساد وتركه ليكون وسيلة للإبقاء عليه، والغريب أن هذا النظام  يشكو من ضعف جسدي عام بسبب ابتعاده عن الدولة وانفصاله عن مؤسساتها، وأنه نظام بنى قدراته الذاتية والدفاعية خارج تلك المؤسسات على عكس النظام السابق، فإن منظمة حنين تمترست وراء الدولة وعملت على تقويتها، لذا  فإن النظام ظل قويا منذ بدايته حتى نهايته، وكان من الصعب اختراقه، كما وأن فساد النظام السابق لم ينحدر نحو الدرجات الأدنى من الدولة كما هو جار الآن، بل كان قابعا في القمة وبحدود العائلة، كما وأن ذاك الفساد كان تحت السيطرة بالقدر الذي يحفظ هيبة النظام وقوى الدولة، لا كما هو جار الآن حيث عم الفساد ليبدأ من صاحب المكناسة حتى دواوين الرئاسة، لذا لم يكن الفساد البتة واحدا من أسباب انهياره، يضاف إلى ذلك أن أخطاء ذاك النظام كانت تغطيه مؤسسات الدولة وتدافع عنه بقوانينها ومحاكمها، اما خطايا النظام الحالي فإنهن سافرات لأنهن لا يمتلكن غطاء من الدولة يحاول اخفاء  معالمهن عن أعين الناس،  وأن الدولة اليوم باتت هشة لا تستطيع مكافحة الفساد أو التعتيم عليه، بل على العكس صارت دوائر الدولة ومؤسساتها تفضح المستور في أروقتها وتصدره على أنه فساد القدوة لا فسادها هي وانتقل اللوم بمرور الزمن من فساد السلطة إلى فساد الزعامة القدوة،  وأن من أسباب ضعف الدولة بالقياس إلى النظام السابق، أننا نرى اليوم دولة عميقة يقودها أكثر من قائد ، لا كما كان صدام يقود الدولة لوحده، وأن هؤلاء القادة كلهم عقائديون واقوياء وأنهم يختلفون مع بعضهم على أبسط المسائل متجاوزين أبسط مسلمات علم السياسة القائمة على قاعدة عالج كل قضية على حدة ،  deal each situation as its merits   بل أن التعامل يجري اليوم وفق مبدأ السلة الواحدة، وهذا يوطن الأزمات ولا يعمل على حلها.

الانتخابات توطن الأزمات

وفقا لما يقوله الأستاذ موريس ديفرجيه أستاذ الأحزاب السياسية في الجامعات الفرنسية، أن الانتخابات تعد متنفسا لتفريغ الضغط الناتج عن مناكفات الدورة الانتخابية، وان التجديد يأتي بحلول للأزمات المتوطنة، او التحلل منها بحكم مضي الزمن، واليوم لا تختلف دوراتنا الانتخابية بعضها عن البعض الاخر، والسبب هو أن الكتل تتمسك بذواتها ولا تود أن تغادر مواضيها ومواضعها، وتحاول أن تأتي بذات الوجوه لتدويرها، وهي بذلك تعمل على تدوير الأزمة والابقاء على وسائل توطين أمراضها، وهي الفساد،  الدولة العميقة، المحاصصة، وهذه عوامل يصعب تجاوزها، وتتحول إلى واقع رغم سلبياته، وأن هذا الواقع كما نراه الكتل الحاكمة هو الذي يحافظ على العراق، او أنه الحل المناسب مع ما يطلبه المجتمع الدولي من هذا البلد العريق.

إن الوجوه القديمة لا تغادر مواقعها ولا منطلقاتها، ولا تسمح للوجوه الجديدة بمحاولة التغيير، وهكذا تظهر الكتل على أنها لا تريد مغادرة الأخطاء حتى وان كانت هذه الكتل تريد التغيير، وهذه واحدة تضاف إلى عوامل توطين الأزمة. والانتخابات الأخيرة أثمرت تواجدا أوسع لأصحاب السياسات القديمة المؤمنة بالتوافق التحاصصي بين كل الأطراف وعدم السماح بنشوء معارضة حقيقية، تلك التي يمكن أن تعمل على تفكيك الأزمة أو على الأقل التقليل من آثارها على المشهد السياسي العام، تكريسا لفكرة إبقاء القديم على قدمه.

الأزمة من خلال نظرة المجتمع الدولي

تتكور الأزمة العراقية أمام المجتمع الدولي لتظهر بوجهين الباطن منه متأكسد بمكوناته، دون القدرة على التحلل إلى عوامله الأولية، الظاهر منها  أنها أزمة حكم ناتجة عن عدم موائمة العراق لعلاقاته مع نقيضين، إيران والولايات المتحدة،  فلا إيران تكف عن ملاحقة العراق ولا الولايات المتحدة تريد مغادرة دور المحتل، ويحاول العراق أن يظهر بمظهر الفاعل في العلاقات الدولية، لكنه لا يستطيع ، فهو لا يمتلك القوة، أو لن يسمح له النقيضان ( إيران والولايات المتحدة )  بامتلاك القوة لتحقيق متطلبات حفظ الذات،  فهو لم يعد يستطيع أن يكون صالحا للسلام لأن الدولة العميقة لا زالت تصر على خصومة مستمرة مع الدولة ومؤسساتها. ولا يصلح للحرب، لأنه لا يملك متطلباتها من تكنلوجيا حديثة، او من أسلحة متطورة او من مستلزمات الحروب السيبرانية.

 إن ازمة العراق الأولى، انه لم يبلغ بعد سن الرشد، ولا زال رضيعا في علم السياسة، بل وضعيفا في درس العلاقات الدولية، وان ما يفعله اليوم هو الظهور بمظهر اللاعب على الساحة الاقليمية، فالعراق الرسمي مشغولا على الدوام بالموائمة بين المطالب الإيرانية والتدخلات الأمريكية بعيدا عن همومه اليومية التي باتت تساعد بشدة على توطين أزماته بدلا من إيجاد الحلول لها، وهكذا تتأكل الدولة وصارت تتنقل كل يوم بين أسباب حل ازماتها إلى وسائل توطينها، وان نتائج الانتخابات الأخيرة واحدة ربما من هذه النقلات التي لا  تشير إلى أمل ولو بسيط في تجاوز الكم الهائل من الأزمات.