اخر الاخبار

في ظل التحديات المتفاقمة التي تواجه الأمن الغذائي في العراق، تبرز مسألة تسويق محصول الحنطة بوصفها قضية استراتيجية تمس قوت المواطنين واستقرار البلاد الغذائي. فقد وضعت وزارتا الزراعة والموارد المائية الخطة الزراعية الحالية في ظرف استثنائي بالغ التعقيد، تمثّل بشحّة المياه في نهري دجلة والفرات، واستمرار موجات الجفاف الناتجة عن ضعف تساقط الأمطار. وعلى هذا الأساس، حُدّدت مساحة الخطة الزراعية بنحو (4.5) ملايين دونم، توزعت بواقع مليون دونم في الأراضي الطينية والبساتين، وثلاثة ملايين ونصف المليون دونم في أراضي البوادي والصحاري، مع اشتراط استخدام تقنيات الري الحديثة، لا سيما المرشات.

إلا أن الواقع الميداني يكشف، وبوضوح، أن آلاف الفلاحين والمزارعين لم يلتزموا بإطار هذه الخطة، وقاموا بزراعة أراضيهم خارجها، متحملين كامل المسؤولية والمخاطر، ومن دون أي دعم أو مساندة من الدولة أو من وزارتي الزراعة والموارد المائية. وقد أقدم هؤلاء على الزراعة في وقت كانت فيه المؤشرات المناخية غير مطمئنة، ما يعكس حجم الرهان الذي وضعوه على أرضهم ومحصولهم.

واليوم، وبعد مرور ثلاث موجات مطرية متتالية، ومع ترجيحات الأرصاد الجوية بإمكانية حدوث موجات مطرية أخرى، بات واضحاً أن العملية الزراعية لهؤلاء الفلاحين والمزارعين قد حققت نجاحاً ملموساً. هذا التطور يفرض، من منطلق وطني واقتصادي، ضرورة شمول الأراضي المزروعة خارج الخطة الزراعية بعمليات التسويق الرسمي لمحصول الحنطة لهذا العام، وذلك لاعتبارات جوهرية لا يمكن تجاهلها.

أول هذه الاعتبارات يتمثل في أهمية حصر الإنتاج الكلي من الحنطة والمساحات المزروعة فعلياً، وهو أمر يتطلب قيام الجهات الزراعية المختصة بزيارات ميدانية دقيقة لتحديد تلك المساحات، وتثبيت البيانات الكاملة الخاصة بها، بما يضمن وجود صورة واقعية وشاملة عن حجم الإنتاج الوطني.

أما الاعتبار الثاني، فيكمن في ضرورة منع التجار والمتلاعبين من المتنفذين من العبث بقوت الشعب عبر السوق السوداء، حيث يؤدي تسويق المحصول خارج القنوات الرسمية إلى فتح الباب أمام الاحتكار والمضاربة ورفع الأسعار، بما ينعكس سلباً على الأمن الغذائي للمواطنين.

ويتمثل الاعتبار الثالث في تجنب الإضرار بعملية التسويق نفسها، ولا سيما ما يتعلق بتضخيم كميات الحنطة المسوّقة من قبل بعض المزارعين الكبار والمتنفذين، الذين لم يزرعوا أراضيهم وفق الخطة الزراعية، واكتفوا بزراعة أجزاء محدودة منها، ثم لجأوا إلى شراء الحنطة المزروعة خارج الخطة بأسعار زهيدة من الفلاحين الصغار، ليقوموا لاحقاً بتسويقها على أنها من إنتاجهم. هذه الممارسات لا تكتفي بإهدار حقوق المنتجين الحقيقيين، بل تسهم أيضاً في توسيع دائرة الفساد المستشري داخل القطاع الزراعي.

وانطلاقاً من ضرورة حماية الإنتاج الوطني وتعزيز الأمن الغذائي، تبرز الحاجة الملحّة إلى أن تتولى وزارة التجارة استلام هذا المحصول بشكل مباشر، وبما يضمن حماية المنتج العراقي، ويحول دون تسرب الحنطة إلى قنوات غير رسمية تضر بالمصلحة العامة.

وفي هذا السياق، لا بد من التأكيد على أهمية الاستعداد المبكر لموسم التسويق، من خلال تهيئة السايلوات والمخازن وزيادة أعدادها، فضلاً عن توفير العدد الكافي من الكوادر الوظيفية والمختبرات اللازمة. كما ينبغي على وزارة التجارة تفادي تكرار تجربة العام الماضي، التي شهدت عرقلة واضحة في انسيابية استلام المحصول بسبب الازدحام الشديد على أبواب السايلوات، وزيادة أعداد سيارات الحمل، وما نتج عن ذلك من طوابير طويلة جداً، تكبّد خلالها الفلاحون والمزارعون تكاليف إضافية أدت إلى خسارة الكثير منهم.

إن شمول الأراضي المزروعة خارج الخطة الزراعية بالتسويق الرسمي لا يُعد تنازلاً عن الضوابط، بقدر ما يمثل استجابة واقعية لظروف استثنائية، وخطوة ضرورية لحماية الفلاح، وصون الإنتاج الوطني، وتعزيز الأمن الغذائي في مرحلة لا تحتمل المزيد من الهدر أو الإقصاء.

ـــــــــــــــــــــــــ

*مهندس زراعي استشاري