تكشف العودة إلى بدايات الفكر السياسي في اليونان أن ما نسمّيه اليوم «ديمقراطية» لم يكن يوماً نموذجاً مكتملاً؛ فقد رأى أرسطو أن الانتخابات أقرب إلى حكم الأوليغارشية، فيما نظر أفلاطون إلى المجتمع الديمقراطي بوصفه فضاءً للفوضى والانحطاط. كانت المشاركة السياسية في أثينا محدودة، والمواطنة محصورة في نخبة ضيقة، وهذا يجعل التجربة القديمة أقرب إلى محاولة أولى لتأسيس مفهوم الحكم الشعبي، لا نظاماً ناجزاً. وعلى نحو مشابه، شهد العراق بعد عام 2003 ولادة نظام سياسي وُصف بأنه ديمقراطي، لكنه جاء مثقلاً بإرث الاحتلال والطائفية والمحاصصة، وبقوى متنفذة احتكرت القرار العام. لم تُسلَّم الديمقراطية للعراقيين جاهزة، ولم تُبنَ بيئة سياسية تضمن المواطنة والعدالة، بل وضع بلد منقسم في معادلة صعبة لا يزال يسعى للخروج منها. ومع مرور السنوات، تحوّلت كلمة «الديمقراطية» في الخطاب العام إلى مصطلح يردَّد أكثر مما يُفهم. اكتسبت الكلمة قداسة شكلية جعلت نقدها أو مساءلتها أمراً صعباً، حتى أصبحت أداة لتبرير الصراعات السياسية ولإضفاء الشرعية على المواقف المتناقضة. كل طرف يرى في نفسه ممثلاً للديمقراطية، ويتهم خصومه بتقويضها، في حين تُقاس شرعية المؤسسات بميزان الولاءات لا بميزان الدستور. هذا الاستخدام المتلاعب بالمفاهيم أسهم في إفراغ الديمقراطية من مضمونها، وحوّلها إلى واجهة شكلية يخوض السياسيون عبرها معاركهم اليومية.
تظهر تفاصيل المشهد العراقي هشاشة هذه التجربة. فالمؤسسات التي يفترض بها حماية القانون كثيراً ما تُفسَّر قراراتها بعيون السياسة والانتماء، لا بميزان العدالة. ويتعاظم نفوذ الأحزاب على الإدارة العامة، فيما تتراجع قدرة المواطنين على التأثير في صنع القرار، في ظل صعود النخب المتخصصة أو ما يعرف بـ«الإبستوقراطية» التي تحتكر القرار بذريعة المعرفة والخبرة. وفي موازاة ذلك، يُعمّق انتشار السلاح المنفلت اختلال ميزان السلطة بين الدولة والمجتمع، ويقوّض الثقة بالمجال السياسي، ويجعل المشاركة الديمقراطية أقرب إلى طقس شكلي لا يغير شيئاً في واقع المواطنين.
ورغم هذه التحديات، يبقى الإصلاح ممكناً إذا توفرت الإرادة السياسية. فتعزيز التمثيل الشعبي عبر دوائر انتخابية أكثر عدلاً، وتوسيع عضوية البرلمان، وإلغاء المجمع الانتخابي، وضمان استقلال القضاء، كلها خطوات قادرة على إعادة بناء جسور الثقة بين الدولة والمجتمع. كما أن تمكين النقابات العمالية، وإزالة القيود أمام التنظيم المدني، وتشجيع مشاركة العاملين في قرارات مؤسساتهم، تشكّل ركيزة أساسية لتعزيز الرقابة الشعبية ومحاصرة الفساد.
غير أن هذه المحاولات تبقى ناقصة إذا لم تُدرَك الثقافة بوصفها العمود الفقري لأي مشروع ديمقراطي. فالوضع السياسي الذي لم ينجح في خدمة الفنون والثقافة أضعف قدرة المجتمع على إنتاج خطاب نقدي حر. تراجع المسارح ودور السينما وصالات العرض لا يمثّل خسارة ثقافية فحسب، بل يشير إلى انكماش المجال العام ذاته، وإلى غياب المنابر التي تتيح للمواطن التعبير، وللمثقف مساءلة السلطة، وللفنان إعادة تشكيل الوعي الجمالي والاجتماعي.
في لحظات الضعف السياسي، تحتاج المجتمعات إلى الثقافة أكثر من أي وقت آخر. فالفن، حين يكون حراً، يكشف التشوهات البنيوية، ويعيد الاعتبار للخيال كقوة مقاومة. والمسرح، حين يُفتح للجمهور، يعيد سرد قصص الناس ويمنحهم قدرة على رؤية أنفسهم خارج الغبار السياسي. والسينما، حين تُدعم، تصبح مرآة للعصر ووسيلة لتوثيق المخاوف والأحلام. وصالات العرض، حين تستعيد حضورها، تتحول إلى فضاء للحوار بين الأجيال والرؤى المختلفة. وتوسيع مشاركة النساء في المشهد الثقافي يثري الحياة العامة، ويمنع الثقافة من الانغلاق في رؤية أحادية أو ذكورية.
إن حماية الثقافة ليست ترفاً، بل ضرورة لحماية الديمقراطية. فالمجتمع الذي تُقمع فيه الفنون أو تُهمَل، يفقد بوصلة النقد، ويستسلم بسهولة لهيمنة القوة، ولا يجد مسافةً يتنفس فيها بعيداً عن الضجيج السياسي. الديمقراطية ليست صندوق اقتراع فقط، بل هي أيضاً مسرح وكتاب وفيلم ولوحة ونقابة وفضاء عام مفتوح للنقاش والاختلاف.
لهذا تبدو حماية ثقافتنا الديمقراطية اليوم أولوية لا تقل شأناً عن الإصلاح السياسي. فالديمقراطية التي تُبنى على وعي مدني متين، وعلى مجتمع قادر على التعبير، وعلى فنون حرة تقاوم الخوف، هي الديمقراطية الوحيدة التي يمكن أن تصمد. وكل ما عدا ذلك يظل شكلاً من أشكال الحكم القابل للانهيار عند أول اختبار..