اخر الاخبار

في السنوات الأخيرة، ومع التوسع الكبير في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، برزت ظاهرة خطيرة في القطاع الزراعي، تمثلت بانجراف أعداد متزايدة من المزارعين، ولا سيما أصحاب المرشات المحورية، خلف ما يُعرف بـ«العقل الجمعي الرقمي» ونصائح مدوني المحتوى الزراعي بشأن خدمة محصول الحنطة، من حيث الري والتسميد ومكافحة الأمراض والآفات الزراعية. وقد أسفر هذا الانسياق غير المنضبط عن خسائر كبيرة، نتيجة تناقض المعلومات المتداولة، وعدم عمليتها، وابتعادها في كثير من الأحيان عن الأسس العلمية والخبرات الزراعية الرصينة.

هذه الظاهرة تضعنا أمام جرح غائر في واقع الزراعة الحالي، يمكن توصيفه بـ«الفوضى الإرشادية الرقمية»، وهي فوضى لا تهدد اقتصاد المزارع الفردي فحسب، بل تشكل خطراً مباشراً على الأمن الغذائي. فالزراعة، بخلاف ما تروّجه بعض المنصات، ليست وصفة جاهزة تُستنسخ من مزرعة إلى أخرى، بل علم تطبيقي معقد، يقوم على متغيرات محلية دقيقة تتعلق بالتربة والمياه والمناخ ونوع الصنف المزروع.

إن الانسياق وراء «العقل الجمعي» في الزراعة، خصوصاً عند استخدام تقنيات مكلفة مثل المرشات المحورية، يقود إلى نتائج كارثية، لأن أي خطأ في الري أو التسميد لا يعني خسارة محدودة، بل خسائر واسعة تمتد لتشمل الموسم بأكمله. ومن هنا تبرز الحاجة إلى تحليل أسباب هذه المشكلة، وبيان مخاطرها، والبحث عن البديل العلمي الذي يضمن الاستدامة والربحية.

مخاطر التسميد والري الافتراضي

تتسم المعلومات الزراعية المتداولة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، في الغالب، بغياب السياق البيئي المحلي، وهو ما يقود إلى جملة من المخاطر. أول هذه المخاطر يتمثل في التسميد العشوائي، حيث تؤدي المبالغة في إضافة الأسمدة النيتروجينية، ولا سيما اليوريا، بناءً على نصيحة «مشهور» أو تجربة فردية غير موثقة، إلى ظاهرة الرقاد (Lodging) وضياع جزء كبير من المحصول، أو إلى ارتفاع ملوحة التربة وتدهور خصوبتها على المدى المتوسط.

أما الخطر الثاني فيتعلق بهدر المياه. فالري بالمرشات المحورية يعتمد أساساً على الاحتياج الفعلي للنبات، المرتبط بعوامل التبخر والنتح (Evapotranspiration). غير أن الري لمجرد أن «الجار بدأ بالري» أو لأن منشوراً متداولاً أوصى بذلك، يؤدي إلى اختناق الجذور، وتهيئة بيئة مثالية لانتشار الأمراض الفطرية، ما ينعكس سلباً على الإنتاجية.

ويبرز الخطر الثالث في ما يُعرف بالمقاومة الكيميائية، إذ أن استخدام المبيدات الزراعية بناءً على توصيات وسائل التواصل الاجتماعي، من دون تشخيص دقيق لنوع الآفة أو المرض، يسهم في نشوء أجيال من الأدغال والآفات المقاومة للمبيدات، وهو ما يفاقم المشكلة ويجعل معالجتها في المواسم اللاحقة أكثر كلفة وتعقيداً.

لماذا ينجرف المزارعون وراء هذا المسار؟

تعود أسباب انجراف المزارعين نحو الإرشاد الرقمي غير المنضبط إلى عدة عوامل متداخلة. في مقدمتها غياب الإرشاد الزراعي الميداني الرسمي، حيث ترك هذا الغياب فراغاً كبيراً سرعان ما ملأه «صناع المحتوى» الذين يسعون إلى تحقيق التفاعل وعدد الإعجابات أكثر من حرصهم على الدقة العلمية.

إلى جانب ذلك، يبحث كثير من المزارعين عن حلول سريعة أو «سحرية» تَعِد بإنتاجيات خيالية، ما يدفعهم إلى التخلي عن المنطق العلمي، واتباع تجارب فردية غير مدروسة. كما يلعب عامل «الخوف من الفوات» (FOMO) دوراً مهماً، إذ يشعر المزارع أن عدم اتباع «الترند» السائد في التسميد أو الري قد يعني ضياع فرصة الربح، حتى وإن كان ذلك الترند يفتقر إلى الأساس العلمي.

الطريق العلمي الصحيح: الخروج من التيه

لمواجهة هذه الفوضى، وتحقيق أقصى استفادة من المرشات المحورية مع تقليل الخسائر، لا بد من العودة إلى ما يمكن تسميته بـ«المثلث الذهبي للإنتاج الزراعي». ويبدأ هذا المثلث بتحليل التربة والمياه عبر إجراء فحوصات مخبرية قبل الموسم الزراعي، بهدف تحديد الاحتياج الفعلي من الأسمدة وتجنب التراكمات والسموم الملحية.

أما الضلع الثاني، فيتمثل في برمجة الري وفق أسس علمية، من خلال الاعتماد على المجسات الأرضية أو بيانات الطقس المعتمدة، بما يضمن ترشيد استهلاك المياه والطاقة، ويمنع تعفن الجذور والأضرار المرتبطة بالري المفرط. ويأتي الضلع الثالث عبر اعتماد المكافحة المتكاملة للآفات، بحيث يتم اللجوء إلى الرش الكيميائي فقط عند وصول الآفة إلى العتبة الاقتصادية، الأمر الذي يقلل التكاليف ويحافظ على البيئة والتوازن الحيوي.

توطين المعلومة بدلاً من استنساخ التجارب

في مواجهة هذا التأثير المتزايد لوسائل التواصل الاجتماعي، يكمن الحل في «توطين المعلومة» الزراعية. فما ينجح في مزرعة ضمن منطقة معينة قد يفشل تماماً في منطقة أخرى، بسبب اختلاف نوع التربة، وعمق المياه الجوفية، ودرجات الحرارة، والظروف المناخية العامة.

ومن هنا تبرز النصيحة العملية الأهم: لا ينبغي أن يتحول الهاتف المحمول إلى «مدير للمزرعة». فالاستثمار في مهندس زراعي مختص يزور المزرعة ميدانياً ويشخّص حالتها بدقة، يبقى الخيار الأكثر أماناً. فكلفة الاستشارة الزراعية لا تتجاوز في العادة 1 في المائة من قيمة الخسائر التي قد يتسبب بها خطأ واحد في التسميد أو الري، ناتج عن منشور عابر على «فيسبوك» أو غيره من مواقع التواصل الاجتماعي.

ــــــــــــــــــــــــ

*مهندس زراعي استشاري