حفل خطاب ترامب في قمة دافوس، الذي قرّع وأهان فيه زعماء أوروبا، بما تحفل به خطاباته عادة من أكاذيب (عن تحسّن الوضع الاقتصادي في الولايات المتحدة على سبيل المثال)، ومعلومات خاطئة، ومقولات عنصرية. وكان الكل يترقّب ما سيقوله الامبراطور الأرعن عن غرينلاند (التي سمّاها «قطعة الثلج»)، التي يرغب في الاستحواذ عليها لأسباب استراتيجية ولمتطلبات الأمن القومي وللثروات والمعادن النادرة التي تختزنها. ووعد الامبراطور، طيب القلب، بعدم استخدام القوة لأنه واثق من إمكانية التوصل إلى صفقة، فهو، بنظره، الأمهر والأبرع في إبرام الصفقات وإحلال السلام، حتى إذا لم يكافأ بجائزة نوبل للسلام (التي حاز عليها في الماضي أكثر من مجرم حرب!).
لكن وعود ترامب ينبغي أن لا تعني الكثير، كما لا يمكن الوثوق بكلامه، لأن ما يحكم أفعاله وقراراته في معظم الأحيان هو المزاج المتقلّب، أو ما قد يسمعه من أحد المقرّبين، أو ما يشاهده على شاشة قناة «فوكس». ومن بين ما قاله ترامب «بعد الحرب أرجعنا غرينلاند إلى الدنمارك، وكم كنّا أغبياء حين فعلنا ذلك!». لكن غرينلاند لم تكن فعلاً أو رسمياً جزءا من الولايات المتحدة وإن كانت الأخيرة قد استخدمت غرينلاند وآيسلندا كقواعد لمهاجمة ألمانيا والمناطق التي احتلتها أثناء الحرب العالمية الثانية. وبعدها في 1946 عرضت الولايات المتحدة على الدنمارك شراء غرينلاند، التي اكتسبت أهمية استراتيجية إضافية أثناء الحرب الباردة، مقابل 100 مليون دولار. قوبل الطلب بالرفض، لكن سُمِح للولايات المتحدة بمواصلة بناء القواعد العسكرية.
ليست أطماع الولايات المتحدة في غرينلاند وليدة الساعة، ولا هي من بنات أفكار ترامب العبقرية، بل تعود إلى القرن التاسع عشر. ففي 1867 في عهد الرئيس آندرو جاكسون، أمر وزير خارجيته وليام سيورد، بإجراء دراسة ومسح لغرينلاند، وبعد اطلاعه على حجم الثروات الطبيعية فيها، اقترح أن تشتريها الولايات المتحدة مقابل 5.5 مليون دولار، لكن الكونغرس لم يكن متحمساً لفكرة شراء أرض أخرى بعيدة، خصوصاً بعد النقد الشديد الذي واجهته صفقة شراء آلاسكا من روسيا، التي كان عرّابها سيورد أيضاً، عُرفت الصفقة في الصحافة وبين نقادها باسم «حماقة سيورد»، فقد كان رأي الغالبية أن دفع مبالغ طائلة من الخزينة العامة، بعد سنتين من انتهاء الحرب الأهلية (1861-1865) المكلفة، من أجل شراء قطعة أرض شاسعة وبعيدة وغير ذات قيمة يعد حماقة، لكن الرأي العام تغير لاحقاً بعد اكتشاف النفط والذهب في آلاسكا. ولم تكن تلك أول صفقة شراء لتوسيع خريطة البلاد، فقبلها في 1803 كانت الولايات المتحدة قد اشترت لويزيانا من فرنسا مقابل 15 مليون دولار. وفي 1819 اشترت فلوريدا من إسبانيا، وفي 1898 اشترت منها جزر الفلبين. ولعل آخر صفقات الشراء كانت في القرن الماضي في 1917، اشترت أرخبيل جزر فرجن في الكاريبي من الدنمارك. وهكذا فإن صفقات شراء الأراضي (وضمّها بعد الانتصار في الحروب) كانت دائماً ممارسة تأسيسية في تاريخ الولايات المتحدة، وعاملاً في توسيع رقعتها الجغرافية. وسبقتها وتزامنت معها حرب الاستيطان الاستعماري ضد السكان الأصليين وتهجيرهم حتى اكتملت خريطة البلاد.
وفي السجالات الدائرة حول مصير غرينلاند، وفي مئات المقالات والتقارير والتعليقات، نقرأ ونسمع الكثير حول العوامل الجغراسياسية، والصراع مع الصين، والمعضلة التي تواجه أوروبا، واحتمال انفراط عقد الناتو، وإلخ. لكن من النادر أن نقرأ أو نسمع ما يريده السكان الأصليون (الإنويت) في غرينلاند. تشير كل الاستطلاعات في السنتين الأخيرتين إلى أن الغالبية العظمى (أكثر من 85 في المائة) لا يريدون أن يكونوا تحت حكم وسيطرة الولايات المتحدة. ومع أن الغالبية تريد الاستقلال في نهاية المطاف وعلى مراحل، إلا أنهم لو خيروا بين الولايات المتحدة والدنمارك، فإنهم يفضلون البقاء مع الدنمارك.
في حال أصبحت غرينلاند أرضاً تابعة للولايات المتحدة، فسيكون مصير سكانها مثل أولئك الذين يعيشون في جزر ساموا أو بورتوريكو التابعتين للولايات المتحدة.. سيكونون مواطنين بالاسم، لكنهم لن يتمتعوا بحماية دستورية، ولا بتمثيل سياسي في الكونغرس، قالت سارا أولسفك رئيسة مجلس الإنويت، وهي عضو سابقة في برلمان غرينلاند وبرلمان الدنمارك: «نقولها بصوت عال وواضح، ليس هناك مستعمر أفضل من مستعمر، استُعْمرنا من قبل ونعرف ما معنى أن تؤثر مصالح الآخرين والدول الأكثر قوة سلباً علينا، وأن تؤخذ قرارات عن مصيرنا على بعد آلاف الكيلومترات». غرينلاند، بالنسبة لترامب القادم من عالم العقارات والصفقات، محض عقار، مشروع استثماري، وفرصة للاستغلال ومراكمة الأرباح، أرض يمثل سكانها الأصليون عائقاً أمام فرص الاستثمار والتقدّم، إلى الهاوية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"القدس العربي" – 24 كانون الثاني 2026