"إسبانيا لا تلعب كفريق واحد"
جدد الرئيس الامريكي دونالد ترامب انتقاده للحكومة الإسبانية بقيادة بيدرو سانشيز خلال المؤتمر الذي عقد في البيت الأبيض بتاريخ 22 اكتوبر/تشرين اول 2025، ودعُي اليه ايضا الأمين العام لحلف شمال الاطلسي (الناتو) السيد مارك روته، رئيس وزراء هولندا السابق، الذي كان يهز برأسه موافقا على كل كلمة ينطق بها الرئيس الامريكي. فمنذ عدة أشهر يهدد السيد ترامب عضوا في الحلف بعقوبات اقتصادية (رسوم جمركية) وتهجمات لفظية على حكومة إسبانيا. علما أن امريكا تنشر 3000 جندي خارج حدودها وموزعة على أربع قارات، وتستضيف إسبانيا قاعدتين (مورون دي لا فرونتيرا وروتا في الاندلس(1)
وطلب السيد ترامب من رئيس حلف شمال الاطلسي السيد روته في حل مشكلة إسبانيا بأسرع ما يمكن مهدداً " إذا لم تلتزم إسبانيا بالخط العام للحلف، فقد يتأخذ قرار بطردها من الحلف.
بحسب مدريد، فإن زيادة الانفاق العسكري لا تتوافق مع الحفاظ على المزايا الاجتماعية التي قدمتها الحكومة الاسبانية.
ينتقد السيد ترامب إسبانيا لعدم رغبتها في تخصيص 5 في المائة من ناتجها المحلي الاجمالي لتمويل المنظمة بحلول "عام 2035" كما ورد في الإعلان الختامي لقمة المنظمة السادسة والسبعين التي عقدت في لاهاي بتاريخ 25 يونيو/حزيران 2025. وقد وقعت مدريد فعلاً على النص، لكنها تؤكد أنها تفي بأهدافها فيما يتعلق بحلف شمال الاطلسي (الناتو) من خلال الحد من إنفاقها في الوقت الحالي إلى 2.1 في المائة من الناتج المحلي الاجمالي وهو بمستوى 33 مليار يورو، الذي لم تصل اليه البلاد منذ قمة 2014 الذي حدد الهدف عند 2 في المائة. يقدم السيد سانشيز حسابات مختلفة عن تلك التي قدمها الرئيس الامريكي " الانتقال من 2 في المائة إلى 5في المائة بحلول عام 2035 سيتطلب إنفاق حوالي 350 مليار يورو اضافية " ولا يمكن تحقيق ذلك إلا من خلال زيادة الضرائب على كل عامل بما يقرب من 3000 يورو سنويا، الغاء المزايا الاجتماعية للبطالة والمرض والأمومة، وخفض جميع معاشات التقاعد بنسبة 40 في المائة وخفض الاستثمار العام في التعليم إلى النصف، في الختام " إن هذا المستوى من الانفاق غير متوافق مع دولة العدالة الاجتماعية " (2)
تستند اختبارات السيد سانشيز إلى اعتبارات سياسية محلية، فإلى جانب الدفاع عن النموذج الاجتماعي الإسباني، يتعين على رئيس الحكومة مواجهة الجناح اليساري في ائتلافه (الممثل في السلطة التنفيذية ومجلس النواب)، والمعادي لحلف شمال الاطلسي، وخطة إعادة التسليح للاتحاد الاوربي. في سياق وطني صعب يتسم بقضايا الفساد التي تورط فيها بعض المقربين من رئيس الحكومة واعضاء من حزبه، فضلا عن صعود اليمين المتطرف (فوكس) فإنه يستثمر في مجال السياسة الخارجية، الأمر الذي قد يسمح له بالحصول على دعم كبير من الشعب، من جهة أخرى، يُظهر السيد سانشيز تضامنه مع أوكرانيا بإعلانه انضمامه إلى برنامج شراء الاسلحة الامريكية لكييف في إطار مبادرة حلف الناتو، ومن جهة أخرى يسعى إلى مقاومة ضغوط الناتو والرئيس الامريكي بشأن مسألة الانفاق العسكري. كما يُظهر موقفه من حرب غزة، في بلد أكثر من 80 في المائة من شعبه يطالب الدول الاوربية بالاعتراف بدولة فلسطين (3). في مايو/ايار 2024، أقدم رئيس الوزراء الإسباني مع إيرلندا والنرويج على هذه الخطوة، بينما كانت إسرائيل تدمر غزة، ثم زاد من انتقاداته العلنية ضد نتنياهو. في سبتمبر/ايلول 2025، طالب السيد سانشيز " بإنهاء الإبادة الجماعية في غزة ومقاضاة مرتكبيها ومساعدة السكان الفلسطينيين " وأعلن بموجب مرسوم في سبتمبر/أيلول عن سلسلة من التدابير التي تهدف إلى " تعزيز حظر الاسلحة إلى اسرائيل قانونيا والذي دخل حيز التنفيذ منذ اكتوبر/تشرين اول 2023 (4) .الهدف من هذه الاجراءات هو حظر شراء وبيع الاسلحة إلى تل ابيب ، إضافة إلى اجراءات قانونية اخرى مكملة، منها حظر استخدام الموانئ او المجال الجوي الإسباني لنقل الاسلحة أو الوقود إلى الجيش الاسرائيلي ويشمل هذا القرار القاعدتين الأمريكيتين .
أثار موقف مدريد غضب رئيس الوزراء الاسرائيلي، والاتهام خطير: فالحكومة الإسبانية حسب قوله تشكل " تهديد إبادة صارخ للدولة اليهودية الوحيدة في العالم " (صحيفة الباييس 11سبتمبر/2025).
أثناء سباق الدراجات الهوائية في مدريد، عبر رئيس الوزراء عن "إعجابه" بالمتظاهرين المؤيدين للفلسطينيين، الذين سدوا خط النهاية للسباق، بسبب وجود فريق بريمير تيك الاسرائيلي. في 8 من اكتوبر/تشرين اول 2025 أقر مجلس النواب مرسومه الصادر في الثامن من سبتمبر/ايلول.
ماذا لو اتجهت برلين وروما وباريس، في مواجهة مع السيد ترامب على الساحة الدولية، إلى الاستلهام
من مدريد؟
ـــــــــــــــــــ
كريستوف فينتورا
لوموند دبلوماتيك- نوفمبر 2025