اخر الاخبار

لم يكن توصيف أميركا اللاتينية بوصفها (الحديقة الخلفية للبيت الأبيض) مجرد تعبير إعلامي عابر، بل خلاصة ذهنية سياسية ترسّخت داخل المؤسسة الأميركية منذ القرن التاسع عشر، وبلغت ذروتها الخطابية في زمن الرئيس رونالد ريغان خلال ثمانينيات القرن الماضي. يومها، لم تعد العبارة همساً في أروقة الدبلوماسية، بل توصيفاً شبه معلن لطبيعة العلاقة بين واشنطن وجوارها الجنوبي، حيث تُختزل السيادة الوطنية في هامش جيوسياسي قابل للإدارة والضبط.

تعود الجذور الفكرية لهذا المنطق إلى مبدأ مونرو (1823)، الذي أعلن رفض التدخل الأوروبي في شؤون القارة الأميركية. ظاهرياً بدأ المبدأ دفاعياً، لكنه أسّس عملياً لاحتكار النفوذ تحت شعار (أميركا للأميركيين)، أي أن نصف الكرة الغربي مجال حصري للولايات المتحدة. ومع مطلع القرن العشرين، جاءت إضافة روزفلت لتمنح هذا المبدأ بعداً تدخلياً صريحاً، حين اعتبر الرئيس تيودور روزفلت أن لواشنطن حق التدخل العسكري إذا فشلت دول المنطقة في (إدارة شؤونها)؛ وهو تعريف فضفاض فتح الباب أمام وصاية دائمة.

خلال الحرب الباردة، تحوّلت أميركا اللاتينية إلى مختبر للصراع الأيديولوجي مع الاتحاد السوفييتي. شكّلت الثورة الكوبية عام 1959 صدمة استراتيجية، إذ أظهرت أن (الحديقة الخلفية) يمكن أن تخرج عن السيطرة. منذ ذلك الحين، صار أي مشروع سياسي مستقل أو يساري يُصنَّف تهديداً للأمن القومي الأميركي، ما مهّد لسلسلة طويلة من الانقلابات المدعومة أميركياً في غواتيمالا والسلفادور وتشيلي والأرجنتين والبرازيل، حيث استُبدلت إرادة الشعوب بمنطق (الاستقرار القسري).

في عهد الرئيس رونالد ريغان، عاد هذا التفكير بقوة ولكن بطريقة أوضح وأكثر صراحة. فقد تعاملت الإدارة الأميركية مع دول أميركا الوسطى والجنوبية باعتبارها منطقة نفوذ مباشر للولايات المتحدة، فدعمت حروباً غير مباشرة في دول مثل نيكاراغوا والسلفادور، وقدّمت المال والسلاح لجماعات مسلحة بحجة مواجهة الشيوعية. في تلك الفترة، لم يعد وصف أميركا اللاتينية بـ (الحديقة الخلفية للبيت الأبيض) تعبيراً نقدياً، بل أصبح توصيفاً شائعاً يعكس واقعاً سياسياً كانت واشنطن تتعامل معه كأمر طبيعي. تحت ذريعة (حماية الولايات المتحدة من الأعداء)، جرى تسويغ هذا التدخل المستمر باعتباره ضرورة دفاعية لا خياراً توسعياً. أي اقتراب لقوة منافسة، أو بروز نظام سياسي مستقل، كان يعاد تعريفه فوراً كتهديد وجودي، حتى وإن لم يمتلك قدرة فعلية على إلحاق ضرر مباشر بواشنطن. هذه الحجة، القائمة على تضخيم الخطر بدل قياسه، حوّلت الجوار الجغرافي إلى منطقة عازلة تدار بالوكالة، حيث يصبح الاستقرار مرادفاً للطاعة، وتعلَّق السيادة باسم الأمن.

بعد نهاية الحرب الباردة، لم يتوقف التدخل، بل تغيّرت أدواته. تراجعت الانقلابات العسكرية الصريحة، وصعدت العقوبات الاقتصادية، والحصار المالي، وتجريم القادة سياسياً. تمثّل فنزويلا المثال الأوضح: اعتراف برؤساء بدلاء، عقوبات خانقة، ثم الذهاب أبعد عبر ملاحقات قانونية لرئيس دولة منتخب، في سابقة تتجاوز الأعراف الدبلوماسية وتعيد تعريف الشرعية بوصفها أداة ضغط.

هذا المنطق لا يخص أميركا اللاتينية وحدها. عند توسيع زاوية النظر، يتكرّر النموذج بصيغ مختلفة في ساحات أخرى: في أوكرانيا تدار المواجهة مع روسيا عبر دعم مكثّف يضع البلاد في موقع صراع بالوكالة؛ في تايوان تستخدم معادلة الردع والغموض الاستراتيجي لإبقائها ضمن نطاق النفوذ الأميركي في مواجهة الصين؛ وفي الخليج تتجسّد الهيمنة عبر شبكات أمنية وقواعد عسكرية تقايِض الحماية بالاصطفاف السياسي. القاسم المشترك هو منع تشكّل استقلال استراتيجي كامل، مع اختلاف الأدوات والسياقات.

في المحصلة، لم تكن (الحديقة الخلفية) توصيفاً لغوياً بريئاً، بل تعبيراً عن رؤية راسخة ترى أميركا اللاتينية مجال نفوذ دائم. تتبدّل الأدوات من الدبابات إلى العقوبات، لكن الجوهر يبقى ثابتاً: واشنطن تقرّر، والبقية تجبر على التكيّف.