اخر الاخبار

ليست المشكلة في أن تتحدث الولايات المتحدة او العالم عن حقوق الانسان، فذلك – نظريا – واجب أخلاقي. المشكلة الحقيقية تبدأ حين يتحول هذا الواجب إلى أداة انتقائية، ترفع حيث تخدم المصالح، وتطوى حيث يفترض أن تقال الحقيقة إنصافا لمن يستحق أن ينصف.

في العراق، وتحديدا منذ انطلاق تظاهرات تشرين، قتل المتظاهرون في الساحات، خطفوا من الشوارع - وانا أحدهم -، أحرقت خيامهم، واغتيلت أصواتهم واحدا تلو الآخر. شباب خرجوا يطالبون بوطن، فواجهوا رصاصا مجهول الهوية معلوم الانتماء. ومع ذلك، كان رد الفعل الأمريكي فضلا عن الدولي خجولا، رماديا، باردا… مجرد بيانات قلق لا تسمن ولا تغني من جوع، وصمت لا يبرر.

إذ لم نسمع تهديدا واضحا، ولا عقوبات رادعة، ولا خطابات نارية في مجلس الأمن. لم تستدع الحكومة العراقية كما تستدعى غيرها، ولم تحمل الجهات المسلحة مسؤولية الدم، وكأن القتلى في ساحة التحرير لا يدخلون في تعريف “الانسان” الذي تستحق حياته الدفاع عنها.

في المقابل، ما أن اندلعت التظاهرات في إيران، حتى تغير المشهد كليا. أصوات كبريات الدول ارتفعت، بيانات حازمة، تحذيرات مباشرة، دعوات لحماية المتظاهرين، ومطالب علنية بعدم استخدام العنف. خطاب سياسي مكثف، تغطية إعلامية واسعة، وحرص مفاجئ على “سلامة المحتجين”. حتى وصل الحال إلى تهديد النظام الايراني القابض على السلطة بالتدخل العسكري إن استخدم العنف تجاه المتظاهرين وتحديدا من قبل أمريكا.

السؤال الجوهري: لماذا لم تدافع أمريكا باعتبارها صاحبة التجربة العراقية ومن خلفها العالم عن المتظاهر العراقي بذات القدر الذي دافعوا فيه عن المتظاهر الايراني؟

وهذا السؤال يطرح بدوره اسئلة اخرى:

هل لأن القاتل في العراق “حليف غير معلن”؟

أم لأن الحكومة العراقية ضعيفة إلى حد لا تستحق المواجهة؟

أم لأن دم العراقي، كما يبدو، أرخص في ميزان السياسة الدولية؟

الأمم المتحدة، المنظمات الحقوقية، بعثات المراقبة، جميعها وثقت ما جرى في العراق، لكنها توقفت عند حدود التوثيق.

لم تنتقل من مرحلة “التقرير” إلى مرحلة “الفعل”. لم تتحول الدماء إلى قرارات، ولا الجرائم إلى محاكمات دولية.

ازدواجية المعايير هذه لا تفضح أمريكا وحدها، بل تفضح نظاما دوليا كاملا يدعي حماية الانسان، بينما يحمي – في الحقيقة – مصالحه فقط. تظاهرات إيران تستثمر سياسيا، اما تظاهرات تشرين فكانت عبئا يجب احتواؤه، ثم نسيانه.

لكن تشرين، رغم كل شيء، لم تهزم.

هزم الخطاب الدولي، وسقط القناع الاخلاقي، وانكشف الوهم الكبير: حقوق الانسان ليست قيمة عالمية… بل ورقة تفاوض.

وسيظل السؤال معلقا في ضمير هذا العالم: كم تشرينيا آخر يجب أن يقتل، من جراء عدم خضوعه للسلطة الحاكمة، كي يصبح الدم العراقي صالحا للخطابات؟