اخر الاخبار

بمناسبة يوم المسرح العالمي الذي كتب كلمته لهذا العام 2026الفنان وليم دافو ممثل-صانع مسرح الولايات المتحدة الأمريكية توجهنا إلى مجموعة من الفنانين المسرحيين المغتربين أو المنفيين، كما يحلو للبعض، تسميته، للحديث عن معضلة الإنتاج المسرحي في الغربة، باعتبار العمل المسرحي يمتاز بالحضور الجماعي وبالتالي يحتاج إلى وجود عناصر أساسية تتفق على الخطوط العامة للعمل وتمتاز بكفاءة ومواهب متعددة واي إنتاج مسرحي يحتاج بكل تأكيد إلى المال وخاصة في الدول الأوروبية.

المسارح تنقسم، بشكل عام، إلى قسمين، الاول الذي يعتمد على موارد الدولة، والثاني على القطاع الخاص، وهذا هو الوضع العام للمسارح في فرنسا، واي خلل في الموارد المالية فهذا يعني بأن المسرح مهدد بالإغلاق!

وبمناقشة هذه المعضلة معضلة الإنتاج المسرحي في الغربة طرحنا السؤال على مجموعة من المسرحيين: 

{ما هي معوقات الإنتاج المسرحي في الغربة؟} استجاب البعض مشكورا وهنا بعض من الأجوبة:

 

1. سمير عبد الجبار / فرنسا

 دبلوم مسرح من معهد الفنون الجميلة – بغداد. استقر في فرنسا منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي، اين أكمل دراساته المسرحية. عضو فرقة مسرح الشمس (ترأسها الفنانة العالمية اريان مونسون) منذ عقدين وساهم كممثل في أكثر اعمال الفرقة.

العمل المسرحي في الغربة هو ليس مزاج بل أيمان. باريس،العاصمة التي أعيش فيها منذ سنوات كفنان مسرحي عراقي مغترب، تعلمت الكثير من فنونها المسرحية كمشاهد، وطالب في السوربون، ولاحقا ممثل في إحدى مسارحها (مسرح الشمس). أجد أن الفرنسين يحترمون الموهبة والموهوب، حتى لو كان مغتربا، ويأخذون بيده ويساعدونه في العمل.  في سنواتي الأولى وبعد أنهاء دراستي في السينما والمسرح، كنت متعطش للعمل المسرحي كممثل ومخرج وكنت أفرغ شحنات الحاجة في المشاهدات المسرحية اليومية المجنونة، متأملا أن أجد فرقة عراقية مسرحية أو عربية للعمل فيها.

سبقنا في المنفى الباريسي اثنان من رواد المسرح العراقي المعروفين الأول هو الفنان د. سعدي يونس، الذي عاد إلى العراق وتحول إلى ظاهرة في مدرسة الأداء الرومانتيكي البراني، وتأثر به العديد من الطلبة الذين كان يدرسهم في اكاديمية الفنون الجميلة في بغداد.

الثاني هو الفنان الأكاديمي حميد محمد جواد، الثائر والمتمرد والغاضب والداعي إلى المسرح الأدبي والفلسفي والاستتيكي، والذي للأسف لم يستطع ان يحققه حين كان في العراق،،فكيف تريده ان يحققه في باريس.

كنت اتمنى من الاستاذ سعدي يونس، بعد أن عاد إلى باريس، أن يشكل نواة لفرقة مسرحية عراقية وعربية كونه يجيد اللغة الفرنسية ويعرف المسرح الفرنسي بشكل جيد.

تاريخ المسرح الفرنسي شاهد على الكثير من كبار المخرجين والممثلين الأجانب والمغتربين الذين أسّسوا فرق مسرحية ومدارس عظيمة منهم (بيتر بروك) الانكليزي (أكيستوا بوال) البرازيلي، (يونسكو) الروماني،(صمؤييل بيكت) الأيرلندي والكثير غيرهم.

بادرت أنا مدفوعا بحرقة حب الفن والمسرح إلى تشكيل فرقة مسرحية متكونة من ٧ ممثلين عرب وعراقيين وفرنسيين أسمها (قوس قزح) واستطعت بمواردي الخاصة أن أنتج العمل الأول، فقمت في أعداد نصين من كتاب " أصوات محذوفة " للكاتب العراقي محي الأشيقر و "وداعا أيها الطفل" للكاتب العراقي جبار ياسين.  كان الدافع هو خلق مسرح سياسي لتصفية حساباتي مع النظام البائد الذي أطال في غربتنا وأهلك شعبنا بالموت والحروب والقهر ! العمل المسرحي (الغائب) الذي كان من إخراجي نجح فنينا ولكن تجاريا لم يحقق مردودا ماديا لكي أستمر وأدفع للممثلين.

العقبة الأولى للعمل في المسرح وانت مغترب او منفي هو أن تهزم (الخوف) وأن تزيد الثقة بالنفس والتمسك بسلطة المسرح كقوة، مع التحلي بروح الشجاعة والمغامرة.

المسرح هو ظاهرة جماعية وليس فردية، مجموعة ممثلين يجتمعون لتكوين عائلة أو مجتمع صغير يتقاسمون فيما بينهم الخلق المسرحي المشترك. كثيرا ما أسأل نفسي ما الذي يدفع المؤمن بالذهاب إلى الجامع ؟ فأجد الجواب جاهز هو الأيمان، وكذلك في المسرح هو ليس حالة مزاجية او رغبة ذاتية، بل صدق وأيمان واعتقاد وهذا يحتاج إلى الكثير من نكران الذات والتضحية حتى بحريتك الفردية، كل ذلك من أجل إيصال رسائل إيجابية إلى الناس.

هذا من الجانب الشخصي، و أما العقبة الثانية فهي مشكلة (الإنتاج) انتاج العمل المسرحي الذي يحتاج إلى دعم مادي لكي يستطيع العاملون في المسرح ان يستمروا في العمل، وعلى الدولة التي ينتمي اليها الفنان المغترب أن تساعده في عملية الانتاج، كما في جميع المراكز الثقافية في العالم التي تشارك في انتاج العمل المسرحي، اضافة إلى الدولة التي يقيم فيها الفنان المغترب. تقول المخرجة الفرنسية (آريان موشكين) وهي تقدم نصيحة للشباب: المشكلة الأساسية هي في "المفتاح " حال ما تحصلون فهذا يعني انكم في داخل قاعة ومكان وفضاء للتدريب المسرحي! ويقول المخرج "انطوان فيتز ": يكفي ان تجد صديق او صديقين تجمعكم نفس الرغبة والهم لعمل المسرح ثم تنطلقون!

 

2. صالح حسن فارس/ هولندا

 صالح حسن فارس فنان مسرحي عراقي يقيم في أمستردام شارك في العديد من المهرجانات المسرحية العربية والعالمية، يعتمد الإنتاج المسرحي لأي عمل مسرحي في الأساس على وجود الدعم، لأن تقديم أي عمل للجمهور يحتاج إلى منظومة متكاملة من التمويل والتنظيم والتقنيات. ويواجه الفنان المسرحي في الغربة تحديات إضافية، خصوصًا في المراحل الأولى من تجربته خارج بلده.

يقول الفنان صالح: أقيم في مدينة أمستردام منذ أكثر من 25 عاما ومن خلال تجربتي أرى أن الإنتاج المسرحي في أوروبا يختلف إلى حد كبير عن واقعنا في العالم العربي، حيث توجد هنا مؤسسات ثقافية وصناديق دعم واضحة تدعم المشاريع الفنية والمسرحية، بينما يعتمد الفنان العربي في الغالب في بداياته على جهوده الذاتية ومبادرات فردية ودعم بسيط من الحكومة.

في بداية مشواري المسرحي في هولندا قدمت أكثر من عمل مسرحي موجّه للجالية العربية وبعض الجمهور الهولندي، وكانت تلك الأعمال تعتمد على جهود خاصة ومبادرات فردية، ورغم أهمية هذه التجارب، إلا أنها غالبًا ما تبقى ضمن إطار الجاليات، مما يحدّ من فرص التواصل الحقيقي والاندماج مع المجتمع الثقافي الهولندي.

بعد ان تمكنت من اللغة الهولندية اتجهت إلى تقديم أعمال مسرحية باللغة الهولندية، وهو ما فتح الباب أمام التعاون مع مؤسسات ثقافية هولندية. وقد ساهم ذلك في حصولي على دعم مادي وإنتاجي، كما أتاح لي تقديم عدد من أعمالي في مسارح هولندية معروفة والوصول إلى جمهور أوسع وأكثر تنوعًا. ومن هنا يمكن القول إن من أهم معوقات الإنتاج المسرحي في الغربة هي صعوبة الوصول في البداية إلى منظومة الدعم الثقافي في البلد المضيف، إضافة إلى حاجز اللغة وبناء العلاقات المهنية. لكن عندما يتمكن الفنان من تجاوز هذه المرحلة، يمكن أن تتحول الغربة إلى فضاء غني للإبداع والتبادل الثقافي

 

3. سلام الصگر

 بكالوريوس مسرح من أكاديمية الفنون الجميلة – بغداد، ناشط مسرحي في اي مكان حلّ به. قدم أعمال عديدة في كردستان حين كان مقاتلا في حركة الانصار ضد النظام البائد. استقر في السويد وهو ما زال مواصلا مسيرته المسرحية دون كلل.

 يقول الفنان سلام: نحن في فرقة ينابيع المسرحية لنا تجربة فريدة في الإنتاج المسرحي ومعوقات ذلك الإنتاج، إذ أن أغلب اعضائها عاشوا تجربة الأنصار في جبال كردستان العراق ووديانه، وقدموا عروضهم المسرحية لسكان القرى وتحت أوضاع أمنية بالغة الخطورة، وبفقر تام لعناصر المسرح، مما أعطاهم التجربة والحلول لأصعب الظروف، ورسخ لديهم مفهوم المسرح الفقير بكل معنى الكلمة.

وفي ظروف غربتهم والرغبة في تقديم عروضهم للجالية العراقية والعربية، فلا مالية لإنتاج العروض إلا ما ندر ومن أموالهم الشخصية، فلا قاعات للتدريبات، إلا شقق الفنانين وبيوتهم، وتميزت عروض الفرقة بفقر واضح في عناصر المسرح ومتطلباته، فلا ديكور إلا ما يحمله الفنانون على ظهورهم. إن ما عمق علاقتنا بالجالية العراقية هو الطلب الثابت من اصدقائنا الداعين للعرض أن تكون الدعوة عامة لحضور عروضنا.  فلا غرابة ان تملأ قاعات العرض بالمتفرجين ولا غرابة أن تحصل الفرقة نصا واخراجا وتمثيلا على العشرات من الجوائز والتقييمات من دول ومدن عدة.

 من ناحية اخرى فان ما اتسمت به عروض الفرقة، وما تطرحه من مواضيع تهم الناس وتثير الاسئلة الجادة، وإشراك الجمهور للإجابة عنها، فأنها تستفز الوعي والفكر وتكسر المألوف، وتبحث عن أجوبة لدى المتفرج، وبث الوعي الانساني التقدمي في زمن يجري عمدا الاساءة إلى الفن الجاد ودوره الانساني والوطني، وليسجل تاريخ أعضائها وعروضهم بتلك الظروف الصعبة في جبال كردستان ووديانها، وعروضهم المتواصلة في الغربة اضافة نوعية لتاريخ مسرحنا العراقي الجاد. 

4. فاروق صبري / نيوزلندا

خريج معهد الفنون الجميلة، ترك العراق في فترة مبكرة وعاش فترة طويلة بين بيروت والشام، استقر به المقام في نيوزلندا.

يقول الفنان فاروق: بالنسبة للمسرحي يٌعتبر التغيير المفاجئ والقسري لأمكنة العيش والعمل حالة قاسية وموحشة، ولكن الذي يحمل مسرحه على ظهره مثل الصليب، يتحمل سوط الظروف القاسية والموحشة، بل يوظفها كدوافع تساعد على التفكير والبحث والكشف والابتكار وهذا ما حصل لي بعد شهور قلائل من وصولي إلى نيوزلندا.

وأول وضع صعب واجهني في غربتي الثالثة في مدينة أوكلاند النيوزلندية هو عدم وجود أي مسرحي عراقي أو عربي أو كردي، عندها سمعت صوتاً في داخلي يقول : اذهب أنت ومسرحك وقاتلا !!!

وعانقت صوتي الداخلي وقررت إنجاز عرض مسرحي كان نوعه المونودرامي هو المناسب لما أنا فيه، لذا بحثت عن نصوص مسرحية مونودرامية واتصلت بالعديد من الكتاب ومن ضمنهم الشاعر العراقي عبد الرزاق الربيعي المقيم في عٌمان والذي حدث بيني وبينه سجال، بل خصام حاد، لسبب لا مجال هنا لذكره، لكن الربيعي كونه يملك شيمة الإبداع وروحية العراق نسي ما حدث بيننا من (خصام) واستجاب لطلبي خاصة وقد عرف بأن ما اريده في العرض هو التوقف عند ما يحدث في وطننا من تفجيرات غادرة تريد قتل الحياة في العراق.

أنهى الربيعي كتابة النص المقترح، وأرسله لي وبسرعة وحميمة العاشق قرأته وبدأت بكتابة سيناريو العرض الذي عنوتنه بــ ــ(أمراء الجحيم) وباتفاق مع خلي وصاحبي الربيعي ومن ثم كان بدء البروفات في صالون البيت الذي اسكنه وعائلتي، بروفات يومية وفي النهار حيث أولادي (وزوجتي الرائعة الشاعرة فرات أسبر في العمل)، حتى صار النص جاهزاً للعرض.

هنا انتصب السؤال أين يكون العرض!؟

اتصلت ببعض الأحبة من العراقيين الذين كانوا يعرفون أنني في طريقي لإنجاز عرض مسرحي، أخبرتهم أنني جاهز وسألتهم هل يمكنكم تهيئة صالة للعرض، لكنهم أخبروني بصعوبة الأمر للأسباب المادية !

كاد الإحباط يشلني ولكن مقولة : "اذهب انت وربك فقاتلا" انتشلتني من حالة اليأس والقنوط وأنا أدخل كراج البيت الذي أسكنه، وقفت مع نفسي وقلت، هذا مكان العرض، سيكون هنا وكان واسميته "كراج ثيتر ".