اخر الاخبار

الحروب الكبرى في الشرق الأوسط لا تنتهي بمنتصر ومنكسر بل بتهشيم القواعد القديمة، فمن الحرب العراقية الإيرانية وبعد أن كان الجيش الإيراني يعد الجيش الخامس في العالم خرج منها منهكا بعد ثمان سنوات من الصراع، وفي المقابل تضخمت الترسانة العسكرية لصدام حسين عددا وعدة، وبعد حرب الخليج الثانية أنهك الجيش العراقي في حرب غير متوازنة في القوى بعد مغامرة احتلال الكويت وبإشارات مباشرة أو غير مباشرة في كلا الحربين من الإمبريالية العالمية وأميركا على وجه الخصوص عندما كانت اللاعب من الخلف وحسب مصطلح (الفوضى الخلاقة) الذي طرحته وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس التي تهدف إلى تفكيك الأنظمة القائمة أو إحداث فوضى أو اضطراب في مناطق معينة وخاصة في الشرق الأوسط لإعادة تشكيلها بما يخدم المصالح الأميركية والإسرائيلية إلى أن تحولت أميركا إلى لاعب مباشر في المنطقة انطلاقا من احتلال العراق إلى سياسة ترامب الهوجاء.

ومع اشتعال الحرب والقصف الأميركي الإسرائيلي على إيران (أثناء المفاوضات) انهارت نظرية الأمن مقابل النفط حيث لم يعد الحلفاء الإقليميون في المنطقة يثقون بقدر الولايات المتحدة الأميركية على حمايتهم أو القتال بالإنابة عنهم وهذا الذي سوف يخلق بعد رماد المعارك قاعدة جديدة وهي قاعدة (التحوط الاستراتيجي) والذي سوف تتبعه دول الخليج بعد الاستفادة من درس الحرب بالاحتفاظ على العلاقة مع الولايات المتحدة في مجال التسليح والتدريب مع نفض الغبار عن العلاقة من المملكة المتحدة ومد جسور قوية وعلاقات اقتصادية مع كل من الصين وروسيا لضمان عدم الانعزال في حال انسحاب الولايات المتحدة التي لم يعد لكلمتها موثوقية من الصديق قبل العدو فسكوتها عن إغلاق مضيق هرمز وعدم وجود ردع مباشر وحاسم أثبت أن المضيق لم يعد خطا أحمر أميركيا كما كان في الثمانينيات من القرن الماضي بعد أن أمنت نفطها بالسيطرة على فنزويلا، وهذا الذي سوف يدفع بدول المنطقة إلى الحوار المباشر مع الخصوم وخاصة إيران لتجنب الحرب التي لم تحمهم منها واشنطن وكذلك البحث عن ممرات بديلة أخرى للتصدير وتجنب عقدة اختناق واحدة (هرمز) ترسم ملامحها في مطابخ سايكس بيكو جديدة تقسم المصالح لا الحدود.

الغد في المنطقة لن يكون أميركيا خالصا

إن دول المنطقة سوف تتعامل مع القوى العظمى كقائمة طعام (Menu) لتأخذ التكنلوجيا من جهة والأمن من الآخر والاستثمار من الثالث وهكذا.

فإن العالم لم يعد يبحث عن بدائل لنفط المنطقة بل يبحث عن أمان المسار، فالتحول من النقل البحري التقليدي إلى الأنابيب وسكك الحديد هو الثورة القادمة في أمن الطاقة العالمي حيث تصف وكالة الطاقة الدولية (IEA) أن العراق هو الحلقة المفقودة بين الشرق والغرب، ومن هنا تكمن أهمية مشروع طريق التنمية الذي هو محاولة جادة لكسر ارتهان الصادرات وأن التقارير الدولية تشير أن إنجاح العراق في تأمين هذا الطريق سوف يجعله المركز اللوجستي الأهم في المنطقة مشروط بتوفر الاستقرار السياسي والقانوني والقضاء على المحاصصة. وهذا يأتي مع بدء دول الخليج وخاصة السعودية والإمارات بما يسمى بالالتفاف حول الجغرافيا عبر خطة الهروب من (هرمز) عبر موانئ الدقم في عمان والمنافذ المطلة على بحر العرب بعيدا عن ممرات النزاع وخطوط أنابيب عابرة للحدود تحول البوصلة نحو المحيط الهندي بعيدا عن الخليج العربي.

أما العراق فبعد أن وقع في فخ التبعية الذي تغذى على المحاصصة وكبر بضعف النظام الديمقراطي فأصيب بمرض (شلل اتخاذ القرار الوطني) ويحاول الخروج من دور الساحة ليكون لاعبا، إلا أن القوى الحاكمة اختارت أن تكون في المنطقة الرمادية لتصفية الحسابات هو ما منعها من تشكيل هوية اقتصادية أو أمنية مستقرة.

إن الانحياز لهذا الطرف أو ذاك لن يكون الحل لأزمات العراق المتفاقمة بل الحياد النشط الذي يحول العراق إلى جسر اقتصادي بدلا من ساحة صراع.

دور القوى الديمقراطية (المدنية)

هنا يكمن دور هذه القوى في هذه المرحلة المهمة لما تملكه من كفاءات سياسية وأكاديمية وحراك شعبي لاستعادة الفضاء العام والعمل على بناء استقرار مستدام وإصلاح بنيوي للنظام الانتخابي والنظام الإداري وتغيير محركات البحث والعمل من مصلحة المكونات المرتبطة بمحاور خارجية إلى أن يكون المحرك هو مصلحة الوطن.