في الذكرى الثانية والتسعين لتأسيس الحزب الشيوعي العراقي، لا يستحضر المرء مجرد تاريخٍ عابر، بل يستدعي مسيرةً طويلة من الكفاح، والآمال، والانكسارات، والصمود. هي ليست مناسبة للاحتفاء فقط، بل لحظة تأمل عميقة في معنى الانتماء، وفي حدود التنظيم، وفي امتداد الفكرة خارج الأطر الضيقة.
ليس كل من ابتعد عن التنظيم الحزبي قد غادر القافلة. فالتنظيم، مهما اتسع، يبقى شكلاً من أشكال التعبير، لا جوهر الفكرة. والجوهر، هنا، أعمق بكثير؛ هو ذلك الإيمان الراسخ بالعدالة الاجتماعية، والكرامة الإنسانية، وحق الإنسان في حياة حرة كريمة. لذلك، فإن خروج البعض من الإطار التنظيمي لا يعني انقطاعهم عن تلك القيم، بل قد يكون أحياناً شكلاً آخر من أشكال الوفاء لها.
وأنت خارج التنظيم الحزبي، هذا لا يعني أنك خارج السرب. فما زلت تحمل ذات المبادئ، وتتشبع بتلك الأفكار التي صاغت وعيك، وشكّلت نظرتك إلى العالم. ما زالت البوصلة تشير إلى الاتجاه ذاته: نحو العدالة، نحو الحرية، نحو إنصاف المظلومين. وما زالت المسيرة، وإن اختلفت طرقها، تتجه إلى الهدف ذاته.
لقد علّمتنا تجربة الحزب الشيوعي العراقي أن الفكرة لا تُختزل في بنية تنظيمية، وأن النضال لا يتوقف عند حدود الانتماء الرسمي. فكم من رفيقٍ ظلّ وفياً وهو بعيد، وكم من صوتٍ استمرّ صادقاً وهو خارج الصفوف. لأن الانتماء الحقيقي ليس بطاقةً حزبية، بل موقفٌ يومي، وسلوكٌ إنساني، وانحيازٌ أخلاقي.
في هذه الذكرى، نستذكر أولئك الذين مضوا وهم يحملون الحلم، ونحيّي الذين ما زالوا يواصلون الطريق، داخل التنظيم وخارجه. فالمسافة بين الداخل والخارج ليست دائماً فاصلة، بل كثيراً ما تكون وهمية أمام وحدة الفكرة وصلابة المبدأ.
إنها دعوة للتصالح مع الذات، ومع التجربة، ومع الاختلاف أيضاً. فالتعدد لا يُضعف الفكرة، بل يثريها، والانتماء الحقيقي لا يخشى المسافات، لأنه يسكن في القناعات العميقة لا في الهياكل الظاهرة.
في الذكرى الثانية والتسعين، يبقى الحزب الشيوعي العراقي أكثر من تاريخ؛ إنه فكرة مستمرة، تتجدد في العقول والضمائر، وتجد طريقها دائماً، حتى خارج الأسوار.
ــــــــــــــــــــ
تورنتو في 28 آذار