اخر الاخبار

يمامش بمامش طبع كَلبي من أطباعك ذهب…

احتَرتُ بين “نحبّه” و”نحبّهم”، لكنني وجدتُ أن الكلمتين بمعنى واحد؛ لأن الحزب ورفاقه كتلةٌ واحدة تسير على أرض العراق وتتقدّم، تتمتع بذات الأخلاق والقيم والمبادئ. ولا أكذب عليكم، أشعر كأنهم نسخةٌ واحدة: يتحدثون، يبتسمون، يجلسون، يحزنون، ويتعصبون بالوتيرة نفسها. فباتوا في عقلي، وحفروا في ذاكرتي، واحتلّوا قلبي، حتى أصبحتُ مثلهم دون سابق إنذار…

شخصياتٌ منذ الطفولة اجتذبتني، وكنت أنظر إليهم بشغف، وأتمنى أن أكون مثلهم. كانوا ينثرون الحبّ والثقافة، ولغة العقل والمنطق، ويحترمون القانون، ويتغزلون بالوطن والأرض والشعب. أما الفقراء والعدالة والمساواة، فكانت قضيتهم الأولى، وهي التي دفعتني إلى الخطوة الأولى باتجاه الحزب منذ طفولتي…

حيدر حاتم جري (أبو ليث)، صديقُ والدي، سجينُ نقرة السلمان، لروحه ألف سلام وسلام. كان نقابيًا عماليًا وأحد الكوادر المتقدمة (1950–1958).

كانت له مجموعة من الأصدقاء، يجلسون في مقهى حسن عجمي، وأحيانًا في حديقة بيتنا أو أحد البيوت. كنت أسترق السمع إلى أحاديثهم، وأصغي إلى لغة أبي ليث الفصيحة الرشيقة، بصوته الهادئ الخافت، كي لا يُسمع خارج الجلسة…

أصدقاء العم نوري، الشهيدان محمد جاسم وأبو زمن وآخرون، دخلوا المعتقل وتعرضوا للتعذيب ولم يعترفوا على الآخرين. كانوا شبابًا يقفون قرب بيت جدي، وكنت أسمع منهم ذات الحديث…

أصدقاء العم فاضل، المشارك في انتفاضة حسن سريع، الذي ذاق التعذيب والسجون، وأصدقاؤه: خليل منصور، ومحمد علي (محمد الكاكا)، الصحة والعافية لهم… كانوا يحملون ذات الروح وذات الحديث…

سعد سامي نادر (أبو سامر)، صديق العم علي، الصحة والعافية والعمر المديد له…

عندما بدأتُ العمل في الشورجة، حيث لا أزال أعمل، كان يتولى حسابات مجموعة من التجار، لما عُرف عنه من نشاطٍ وأمانةٍ في المقام الأول. وكان يحمل ذات الروح التي عرفتُها في من سبقوه؛ يمدّ يد العون والمساعدة، ويقدّم المعرفة دون انتظار أي مردود…

استمرت علاقتي به حتى بعد رحيل أعمامي، إلى أن ودّعته مسافرًا إلى هولندا. ولا يزال (ديوان الجواهري) في مكتبتي، هديةً منه في آخر لقاء، شاهدًا على تلك الذاكرة الجميلة…

حفروا في ذاكرة طفل منذ كان في السادسة من عمره، واستمر الأثر حتى سن الرابعة عشرة. وفي عام 1980 لم أعد أراهم؛ لأن الحزب صعد إلى الجبل، ولأن التنظيمات اختُرقت من قبل الأمن، فأصبحت سريةً للغاية… ومنذ ذلك الحين، لم أعد أرى الكثير منهم؛ لكنهم بقوا في داخلي كما هم…

عندما دخلتُ المتوسطة والإعدادية، كنت أتمتع بتلك الذاكرة التي نُقشت في داخلي. لا أقول إنني أصبحت مثلهم، لكنني سرت على خطاهم، وتحدثت بلغتهم، وامتلكت الفطنة التي تمكّنني من تمييز من يشبهني في المدرسة. وهكذا نجحت في اختيار أصدقاء عرفت لاحقًا أنهم من عوائل شيوعية، واستمرت علاقتي بهم، حتى بعد دخولي الجامعة، رغم أن الحصار أبعد بعضهم عني بسبب سفرهم خارج العراق…

الأسماء كثيرة، والشخصيات جميلة، وكلّها أثّرت فيّ. وأعتذر لمن لم أذكرهم، فقد ذكرت بعضهم في عيد الحزب الماضي…

الأستاذ حسني، المعلم الصابئي، جارنا الذي يسكن خلف بيتنا—وأتعمد ذكر هذا الوصف، مع الاعتذار إن بدا توصيفًا، لكنه استذكارٌ لزمنٍ كان فيه الانتماء الإنساني والوطني يعلو على الدين والمذهب والطائفة، وزمنٌ كان فيه الحزب يعزّز هذا النسيج الاجتماعي الجميل—كان يلتقي والدي في المنور الخلفي. كان كاتبًا قصصيًا، وحين كانت والدتي تخبز في التنور، كان ينادي: “شنو هالريحة الطيبة؟”، فتعطيه عددًا من الكرص…

كان يحمل ذات النكهة، وذات الابتسامة، وذات الحديث…

وحين لاحظ اهتمامي بمفاهيم العدالة والسلام، فتح لي بيته ومكتبته. ولا زلت أذكر تلك الليلة؛ ليلة قراءتي لرواية (عناقيد الغضب) لـجون شتاينبك، التي استعرتُها منه، وكيف تركت في داخلي أثرًا لا يُمحى…

بعد سقوط النظام، وانخراطي في صفوف الحزب، التقيت بالرفاق: أبو داود، وأبو يسار، وأبو رواء، وأبو بفرين، وأبو هديل، وصالح ياسر، وأبو نيسان وابوعلي وابو هشام وغيرهم… لكنني اندهشت؛ لأنني وجدتهم يحملون ذات اللغة، وذات الابتسامة، وذات الأخلاق والقيم والمبادئ، وحب الوطن والناس. وإن اختلفوا أو اتفقوا في الآراء، فالحب لهم هو ذاته حب من سبقهم…

فالمجد لكل رفاق الحزب الذين رحلوا، والذين يواصلون المسيرة الظافرة، التي لا يمكن أن تكون معبّدة بالورد. لكن، في النهاية، لا بدّ للشمس أن تشرق، وتنتصر قيم العدالة…

لذلك لم تكن “نحبّهم” مجرد كلمة، بل كانت حكاية عمر، وذاكرة وطن، وصورة إنسانٍ عراقيٍّ جميل تشكّلت ملامحه من هؤلاء الرفاق.

وإن تغيّرت الأزمنة، وتبدّلت الوجوه، يبقى ذلك الأثر حيًا لا يموت… لأن من يزرع القيم في الطفولة، يحصد وطنًا في الكِبَر.

سلامٌ لهم جميعًا… أحياءً فينا، وإن غابوا.