"إذا كان لا بدّ من الموت، فليكن من أجل شيءٍ يستحق." هذه الحقيقة وجدت طريقها إلى النور من خلال مواقف آلاف الشيوعيات والشيوعيين الذين واجهوا آلات القمع منذ العهد الملكي، وانقلاب 8 شباط الدموي عام 1963، ولاحقًا الأخوان عارف، وحزب البعث المجرم، والجلاد صدام، وصولًا إلى هذه العصابات الحاكمة في العراق اليوم. ويقيني أن يومًا سيأتي وتُدرَّس هذه القصص في المدارس والجامعات، لتُروى بطولات هؤلاء الناس من أجل قضايا الشعب العادلة. على أن مفارقةً تطرح نفسها بخصوص موقف الجلادين الذين أشرفوا على تعذيب هؤلاء المناضلين وضربهم وإهانتهم والاعتداء عليهم وقلع أظافرهم أو قتلهم، أو حتى دفنهم أحياء: هل سألوا أنفسهم لماذا يقاوم هؤلاء المناضلون كل المغريات ولا يستسلمون للجلاد؟ وكم منهم ساورته غيرته يومًا ليخرج إلى العلن ويدلي بشهادته أمام العراقيين؟
بدأت حكاية المقالة عندما اتصلتُ برفيقي الكاتب زكي رضا (وهو من الكورد الفيليين) مستفسرًا عن طريقة للحصول على معلومات أكثر عن (ثلاثة شهداء من الكورد الفيليين من عائلة واحدة – سينشر المقال لاحقًا). فبعد أن أرشدني إلى بعض الشهود، بادرني بالقول: إن زوجتي لها خالان شهيدان، فلماذا لا تكتب عنهما؟ وها أنا أفي بوعدي يا زكي.
اتصلتُ بالأستاذ مناضل أحمد محمد علي، شقيق الشهيدين، الذي فتح قلبه الموجوع وقدّم لي المعلومات التي لا تزال الذاكرة تحتفظ بها بعد كل تلك الأيام وما حملته، وقال لي:
*** الشهيد عبد الوهاب أحمد محمد علي، من مواليد عام 1947 في منطقة (شارع الكفاح – الفضل)، وكان ترتيبه الثالث في عائلته المكوّنة من تسعة أبناء وأخت واحدة. بدأ دراسته الابتدائية في المدرسة الفيلية في منطقة (باب الشيخ)، وأنهى المتوسطة فيها أيضًا. عمل في الكمارك أولًا، ثم موظفًا في وزارة التجارة. انتمى مبكرًا للحزب الشيوعي العراقي بتأثير من أحد أقربائه، وهو ما يزال شابًا يافعًا. تعرّض في مسيرته لعدة اعتقالات، وسُجن مرة في الإصلاحية، وفي أبو غريب، وفي سجن بعقوبة. تزوّج سنة 1967، وبقي ساكنًا مع والديه هو وعائلته التي تكوّنت لاحقًا من ولد واحد وثلاث أخوات. استمرت ملاحقته واعتقاله حتى بعد زواجه، وآخرها كان عام 1984، إذ تم هذا الاعتقال دون أن نعرف إلى أي سجن أُخذ. ليتصلوا بعد مدة من الزمن بعائلته طالبين منهم أن يأتوا لاستلام جثته ودفنها، على شرط ألّا يُقام له مجلس عزاء. لم يكن في العراق آنذاك أحد من العائلة، حيث هربنا جميعًا، ومن بقي كانت زوجته وأبناؤها، فذهبت زوجة أخي الكبير لاستلامه ودفنه بعد أن تعرّضت لأنواع الشتائم والألفاظ النابية عند استلام جثته. تم تسفير عائلته إلى إيران عام 1989، وزوجته ما تزال تعيش هناك، بينما يعيش أبناؤه في السويد وأستراليا الآن.
*** الشهيد شهاب أحمد محمد علي، لم يكن سياسيًا أو حزبيًا، ولا يُعرف سبب اعتقاله، لكن الأرجح كونه ينحدر من عائلة فيها شيوعيون، ومن الكورد الفيليين، وهذه "الجرائم" كافية لترسل حاملها إلى مقصلة الإعدام بقانون حزب البعث الإجرامي. كان متزوجًا قبيل اعتقاله، وله ثلاثة أبناء وبنتان. بعد إعدامه جرى دفنه في المقابر الجماعية لسجن أبو غريب، على الأرجح في مقبرة (محمد السكران). تم تسفير عائلته عام 1989 إلى إيران، وزوجته تعيش الآن في السويد، أما أبناؤه فيعيشون بين السويد وأستراليا.
*** المعلومات عن الشهيدين قدّمها لي مشكورًا شقيقهما الأستاذ مناضل أحمد محمد علي، من مواليد عام 1960، غادر العراق سنة 1982 بعد اشتداد أزمة ملاحقة ومحاربة وتسفير الأكراد الفيليين، وأثناء استعار نيران الحرب العراقية الإيرانية، فما كان من بديل سوى الهروب من الجحيم هو ووالداه وكل إخوته وأخواته وعوائلهم، فيما بقي في بغداد شقيقاه (عبد الوهاب وشهاب) اللذان سيلتحقان بركب الشهداء لاحقًا.
القصة لم تنتهِ بعد، وكنت آمل أن أحصل على معلومات أكثر، فاتصلت بالسجين البطل والصديق رياض مثنى (أبو فيروز ) مستفسرًا عن معرفته بأي من الشهيدين، فقال لي: إنه سمع بمأثرة الشهيد عبد الوهاب، لكنه لم يكن معه، واقترح أن أتصل بعميد السجناء السياسيين العراقيين نشأت فرج (أبو عادل)، الذي قال لي الكلام ذاته، وأضاف أنه سمع باسم الشهيد عبد الوهاب لكنه لم يكن معه، لأنه كان في قاطع الإعدام، بينما كان هو في قاطع آخر. لكنه لم يغلق الباب، بل اقترح أن أتصل بالبطل الشهيد الحي خضير مطيلج (أبو يوسف). وفعلًا تم الاتصال به، وأراد في البداية التأكد من الاسم (نحن نتحدث عن ذكريات مرّ عليها أكثر من 42 عامًا). وحين قلت له إني أبحث عن معلومات عن الشهيد عبد الوهاب أحمد محمد علي، سألني إن كان له لقب آخر، فقلت له: (أبو عادل – باسم ابنه البكر). فعاد وسألني: كان عندنا في قاطع الإعدام اثنان يُكنّيان بأبي عادل، واحد من السليمانية والآخر من منطقة الفضل/بغداد. قلت له: إنه من الفضل. ففتح لي بابًا في ذاكرته المتعبة، وقال: نعم، التقيته في قاطع الإعدام، شخصية قوية، وعلمت أنه كان نشطًا في عمله، وأنه وقع في فخ الأمن هو وثلاثة عشر رفيقًا آخر نتيجة (انهيار/اندساس) سيدة، أدّى بهم إلى مقصلة الإعدام. لم تكن مدة تعارفي به طويلة، فقد كنا في زنازين انفرادية ولا نلتقي، لكني كنت شاهدًا على صمود هذه المجموعة وهتافاتهم بحياة الحزب وهم يُساقون إلى الموت. هناك مشهد لا يمكن أن أنساه بخصوص الشهيد عبد الوهاب: حينما نودي على اسمه لتنفيذ حكم الإعدام، خرج بملابسه الداخلية أمام دهشتنا واستغرابنا، فقال: أنا ذاهب إلى الموت، أعطيت ملابسي لرفاقي الآخرين، فقد كانت ملابسهم رثّة! وفي المسافة بين الزنزانة ومقصلة الإعدام، حوالي 50 مترًا، اصطف على الجانبين مجموعة من السجانين الذين انهالوا عليه بالعصي والخيزران والكابلات، غير آبهٍ بهم، لكنه صرخ بصوت عالٍ: الشيوعية أقوى من الموت وأعلى من أعواد المشانق! هذا كان عبد الوهاب (بطل مو طبيعي). أما بالنسبة لرفاقه الآخرين، فقد جرى نقلي من استخبارات الشعبة الخامسة إلى الأمن، وعند عودتي بعد ثلاثة أشهر، وجدتهم قد أُعدموا.
عدتُ بعدها واتصلتُ برفيقي الكاتب زكي رضا للبحث عن شاهد آخر، فتعرفت على السيد سالم (سائق حافلة في السويد) من الكورد الفيليين، الذي أكمل لي بعض التفاصيل. فقد كان هو أيضًا في السجن (ليس لأسباب سياسية)، إذ وقع ضحية وشاية أحد المهربين. بدأت القصة عندما أرادت عائلة (الشهداء الثلاثة الفيلية) تهريب أحد أبنائها خارج العراق تفاديًا لملاحقات الأمن، فقام بتأمين ذلك، وفعلاً جرى تهريبه إلى إيران عبر السليمانية. وما لم يكن يعرفه أن هذا المهرب كانت أجهزة الأمن قد كشفت أمره، فخيّرته بين الإعدام أو التعاون معها، فبدأ بالاعتراف عن الأشخاص الذين هربهم، وهنا جاء اسم سالم (اعتُقل عام 1982 وأُطلق سراحه في عفو عام 1986)، الذي نفى أن تكون له أي علاقة سياسية بالشخص الذي هربه، سوى أنها عملية تهريب اعتيادية. وعندما سألت الأستاذ سالم عن عبد الوهاب وشقيقه شهاب، قال: نعم، سمعت بهما، والتقيت بشهاب الذي لم يكن يعرف مصير شقيقه، سوى أنه يعلم أنه محكوم بالإعدام. وعندما صدر قرار العفو العام عام 1986، لم يُطلق سراح الجميع، خاصة من التبعية أو الكورد الفيليين. أنا وشخص آخر أُطلق سراحنا، أما شهاب والآخرون فقد أُخذوا إلى الحجز، واقتيد قسم منهم (حوالي 30 شخصًا بمختلف التهم) إلى نقرة السلمان. أُطلق سراح قسم منهم لاحقًا، بينما اختفى أثر قسم آخر، ولعل شهاب يكون أحد هؤلاء الذين لم يُعرف مصيرهم حتى اليوم. أما ما سمعه الأستاذ سالم عن عبد الوهاب، فيقول: نعم، سمعت أنه شيوعي ملتزم، وأنه كان يهتف للحزب والشيوعية وهم يسوقونه إلى الإعدام، وأعتقد أنه استشهد تحت التعذيب، لأني سمعت أن زوجته استلمت جثته وعليها آثار ضرب، حتى تحوّل جلده إلى اللونين الأزرق الداكن والأسود. (وفي شهادة السجين خضير مطيلج، ذُكر أن السجانين انهالوا عليه بالضرب طوال المسافة بين الزنزانة وموقع المقصلة وهو شبه عار ولوحده (يا للخسة والجبن)

***استدراك: من المحتمل جدًا أن يكون لهؤلاء السجانين عوائل، وحتماً سيكون لهم أطفال، بنين وبنات، ومن المؤكد أن هؤلاء الأطفال سيسألون أمهم صباحًا: ماما، أين ذهب بابا؟ فتجيبهم: بابا ذهب إلى العمل. ماما: ماذا يعمل بابا؟ يَمّه، لا أعرف، لكنه يعمل... ربما في النجارة أو العمالة أو الحمل... هو يعمل والحمد لله. وعندما يعود هذا الأب – الجلاد – إلى البيت مساءً، تأتي ابنته بكل براءة وتسأله: بابا، كيف كان العمل اليوم؟ هل أنت متعب؟ فيجيبها: الحمد لله، العمل جيد... نعم، العمل كان "جيدًا"
لقد عذّبنا كذا منهم، وضربنا كذا منهم، وأعدمنا كذا منهم... الحمد لله
شكري وتقديري واعتزازي لكل الرفاق الذين ساعدوني في إنجاز هذه الكتابة
المجد والخلود للشهيدين عبد الوهاب وشهاب أحمد محمد علي
العار لحزب البعث وكل من يدافع عنه
الخزي لكل المجرمين الذين عملوا في المخابرات والأمن وقاموا بتعذيب وقتل الأبرياء وما زالوا صامتين.