اخر الاخبار

في الفهم التقني السائد، يُنظر إلى التحيز في الذكاء الاصطناعي على أنه "خلل" أو "خطأ" يمكن إصلاحه ببيانات أفضل أو خوارزميات أكثر دقة. لكن من منظور ماركسي، هذا الفهم غير دقيق. فالتحيز ليس عيباً عرضياً، بل هو انعكاس ضروري للعلاقات الاجتماعية للإنتاج القائمة. كما أن القوانين والدساتير في المجتمع الرأسمالي تعبر عن مصالح الطبقة المسيطرة، كذلك الخوارزميات التي تُدرَّب على بيانات منتجة في ظل الرأسمالية تحمل في طياتها آثار الصراع الطبقي، التفاوت البنيوي، والأيديولوجية السائدة. إن الذكاء الاصطناعي لا يخلق التحيز من العدم، بل يكثف ويعيد إنتاج التحيزات الموجودة أصلاً في المجتمع: العنصرية الطبقية، التمييز الجندري، التهميش الجغرافي، واستبعاد الفقراء. القول بأن التحيز "خطأ تقني" هو أقرب إلى قول إن تلويث المصنع للمياه "خلل تقني" – إنه ينزع الطابع السياسي والطبقي عن ظاهرة جوهرها صراع على السلطة والموارد.

البيانات كأرضية خصبة لإعادة إنتاج الهيمنة الطبقية

السؤال المهم هنا: من أين تأتي البيانات التي تُدرَّب عليها نماذج الذكاء الاصطناعي؟ هذه البيانات ليست "موضوعية" أو "محايدة"، بل هي نتاج لعلاقات قوة غير متكافئة:

· بيانات التاريخ: السجلات التاريخية (قرارات التوظيف، منح القروض، الأحكام القضائية، السجلات الطبية) صُنعت في ظل رأسمالية تمييزية. إذا دربت خوارزمية على هذه البيانات، فستتعلم تلقائياً أن تستبعد النساء من الوظائف التقنية، أن ترفض القروض عن سكان الأحياء الفقيرة، أن تصدر أحكاماً أقسى بحق الفقراء والأقليات.

·بيانات الحاضر: منصات التواصل، التجارة الإلكترونية، محركات البحث، كلها أدوات تنتج بيانات تعكس سلوكاً مُشكَّلاً بالفعل بالإعلانات، الضغوط الاقتصادية، ونقص البدائل. مثلاً: إذا دربت خوارزمية توظيف على بيانات من شركة لم توظف قط عاملة من الطبقة العاملة في منصب إداري، فستستنتج الخوارزمية أن "الطبقة العاملة غير مناسبة للإدارة".

· البيانات المفقودة: التحيز لا يأتي فقط مما هو موجود، بل مما هو غائب أيضا. فالفقراء، المشردون، العمال المهاجرون غير النظاميين، سكان المناطق النائية، كلهم غير ممثلين في مجموعات البيانات الكبرى. غيابهم ليس صدفة، بل هو نتيجة لاستبعادهم من الاقتصاد الرسمي والخدمات الرقمية. الخوارزمية التي تدرّب على بيانات لا تشملهم سوف "تتنبأ" بهم بشكل خاطئ، أو ببساطة تتجاهلهم، مما يعيد إنتاج تهميشهم.

هذا هو الاستيلاء على وسائل التمثيل الرقمي. كما أن وسائل الإنتاج في المصنع مملوكة للرأسمالي، كذلك وسائل إنتاج الواقع الرقمي (البيانات الضخمة، الخوارزميات) مملوكة للبرجوازية الرقمية، وهي تشكل الواقع بما يخدم مصالحها.

التحيز ليس خطأً بل ميزة للطبقة المسيطرة

إذا كان التحيز يعيد إنتاج التفاوت، فمن الموضوعي طرح السؤال التالي: لماذا لا "تصحح" الشركات الكبرى خوارزمياتها؟ الجواب على ذلك: لأن التحيز يخدم مصالحها الطبقية. لنأخذ بعض الأمثلة:

التحيز في التوظيف: خوارزميات أمازون التي استبعدت السير الذاتية للنساء لم تكن "خطأً تقنياً" فحسب، بل كانت تعكس واقع سوق عمل ذكوري. تصحيحها يتطلب تغييراً جذرياً في هيكل القوى داخل الشركة، وهذا ما تقاومه الإدارة.

· التحيز في الإقراض:

خوارزميات البنوك التي ترفض قروضاً لسكان الأحياء الفقيرة تحمي أرباح البنوك (لأنها تعتبر هؤلاء "عالي المخاطر"). التحيز هنا هو آلية دفاع عن الربح، وليس خللاً.

·التحيز في العدالة الجنائية:

خوارزميات تحديد كفالة المتهمين (مثل نظام COMPAS في أمريكا) صنفت السود على أنهم "أكثر عرضة للعودة إلى الجريمة" مقارنة بالبيض بنفس السجل الجنائي. هذا التحيز يعيد إنتاج نظام عقابي عنصري يحبس الفقراء والأقليات بأعداد كبيرة، مما يوفر عمالة رخيصة للسجون الخاصة ويشرعن القمع الطبقي. في كل هذه الحالات، التحيز ليس خطأً، بل هو تعبير عن المنطق الداخلي للرأسمالية: تعظيم الربح، خفض التكاليف، وإعادة إنتاج التراتب الطبقي. تصحيح التحيز "تقنياً" دون تغيير البنية الطبقية للمجتمع هو تغيير مظهر خارجي/سطحي دون التأثير على الحالة الجوهرية المعطلة.

التحيز الأيديولوجي – كيف تُعلّم الخوارزميات "الوعي الزائف"

التحيز لا يقتصر على التمييز في القرارات، بل يمتد إلى تشكيل الوعي ذاته. هذا هو المستوى الأعمق للتحيز من منظور ماركسي، لأنه يتعلق بما أسماه غرامشي "الهيمنة الثقافية" :

· محركات البحث: خوارزميات جوجل تعيد ترتيب العالم وفق معايير الربحية والشعبية، مما يخلق "واقعاً محسوماً" يخفي بدائل سياسية واقتصادية. من يبحث عن "بدائل للرأسمالية" قد تظهر له نتائج تصف الاشتراكية بأنها "فاشلة" أو "طوباوية" لأن هذه هي الروابط الأكثر ربحية (للمعلنين، للتفكير المحافظ).

· منصات التواصل: خوارزميات فيسبوك وتيك توك تفضل المحتوى الأكثر إثارة للانقسام والعواطف لأنه يحقق أطول وقت مشاهدة (وبالتالي إعلانات أكثر). هذا يخلق استقطاباً أيديولوجياً ويقوض القدرة على النقاش العقلاني، مما يخدم مصالح النخب التي تريد جمهوراً منقسماً مشغولاً بصراعات هوامشية بدلاً من توحيده ضد التفاوت الطبقي.

·الاستهلاك الثقافي:

خوارزميات نتفليكس ويوتيوب توصي بمحتوى يعزز "فقاعة التصفية" (Filter Bubble)، حيث لا يرى المستخدم إلا ما يؤكد معتقداته ورغباته الاستهلاكية. هذا يعزز الوعي الزائف بأن المشاكل فردية (اختر الفيلم المناسب، اشتر المنتج الصحيح) وليست جماعية وطبقية. من منظور ماركسي، هذا هو الاستعمار الرقمي للعقل: الخوارزميات لا تستعمر جسدك فقط (كما كان المصنع)، بل تستعمر رغباتك، أفكارك، وحتى أحلامك. التحيز الأيديولوجي هو الأكثر خبثاً لأنه يجعلك تعتقد أنك حر، بينما أنت مسيّر ببراعة. 

الطبقات المُتحيز ضدها – من يدفع الثمن؟

التحيز في الذكاء الاصطناعي ليس مجرداً، بل له ضحايا طبقيون محددون:

1. الطبقة العاملة التقليدية

عمال المصانع والمستودعات الذين تُستخدم خوارزميات المراقبة ضدهم لاستباق أي تمرد أو إبطاء في العمل، حيث خوارزميات الجدولة تمنحهم ساعات عمل غير مستقرة بناءً على توقعات الطلب، مما يحطم حياتهم الأسرية والاجتماعية.

2. عمال المنصات (Gig economy)

خوارزميات أوبر وأمازون تصنفهم بناءً على تقييمات غير عادلة، وتطردهم تلقائياً إذا انخفض تصنيفهم تحت عتبة معينة. إن التحيز هنا يضرب الفئات الأكثر هشاشة: المهاجرون، الشباب، العمال ذوو المهارات المنخفضة.

3. الفقراء والمهمشون رقمياً

من لا يملكون هواتف ذكية أو اتصالاً جيداً بالإنترنت هم غير مرئيين للخوارزميات. هذا ليس حياداً، بل عقابا بالاستبعاد. إن الخوارزميات المصرفية ترفضهم تلقائياً، خوارزميات التوظيف تتجاهلهم، خوارزميات الإسكان لا تراهم. هم طبقة ممحاة من الواقع الرقمي.

4. ضحايا التمييز المزدوج

امرأة، من عرقية مغايرة، من طبقة عاملة، من بلد نامٍ. الخوارزميات تجمع عدة تحيزات معاً، مما يخلق تمييزاً متقاطعاً أشد قسوة من أي تمييز فردي.

5. العمال الذين دربوا الخوارزميات ليحلوا محلهم

إن المفارقة الماركسية الكبرى: عمال تصنيف البيانات في كينيا والهند والفلبين يدرّبون نماذج الذكاء الاصطناعي التي ستحل محلهم لاحقاً. هم يبنون آلة استبدالهم بأيديهم، بأجور زهيدة، وفي ظروف عمل قاسية.

تناقضات التحيز – لماذا لا يمكن للرأسمالية "إصلاح" خوارزمياتها؟

من منظور ماركسي، محاولات إصلاح التحيز ضمن النظام الرأسمالي محكوم عليها بالفشل بسبب تناقضات بنيوية:

1. تناقض الربح مقابل العدالة

يتطلب القضاء على التحيز بيانات متنوعة وتمثيلاً كاملاً للفئات المهمشة. هذا مكلف (جمع بيانات جديدة، إعادة تدريب، مراجعة بشرية). إن الشركات لن تتحمل هذه التكلفة طواعية لأنها تأكل أرباحها. التحيز هو ترشيد التكلفة، وليس خطأ.

2. تناقض الملكية الخاصة مقابل الشفافية

لمعرفة كيف تنتج الخوارزميات تحيزاً، تحتاج إلى فتح "الصندوق الأسود" للخوارزمية (اللغات البرمجية (الكود)، بيانات التدريب، معايير التقييم). لكن الملكية الفكرية (الأسرار التجارية) تمنع ذلك. الشركات تدعي أن الخوارزمية "ملك خاص" ولا يحق لأحد التدقيق فيها. هذا هو تحيز الملكية نفسه.

3. تناقض التاريخ مقابل الحياد

تتعلم الخوارزميات من البيانات التاريخية، وتاريخ رأسمالي عنصري طبقي. لذا فإن "تنظيف" البيانات من التحيز يعني إعادة كتابة التاريخ، وهذا مستحيل دون تغيير النظام الذي أنتج هذا التاريخ. إن أي محاولة "لإزالة التحيز" تقنياً ستنتهي إما إلى تحيز مضاد (مثل تفضيل الأقليات بشكل مصطنع يخلق تمييزاً عكسياً ضد الأغلبية الفقيرة) أو إلى إنكار الواقع (التظاهر بأن التاريخ لم يحدث).

4. تناقص الغلة في "إصلاح التحيز"

يمكن إصلاح التحيزات الواضحة (مثل استبعاد النساء) بتكلفة مقبولة. لكن التحيزات العميقة (مثل تحيز طبقي منتشر في كل القرارات) تتطلب تغييراً جذرياً في بنية البيانات والخوارزميات، وهذه تكلفة لا نهائية. عند نقطة معينة، تفضل الشركات إدارة التحيز بدلاً من إصلاحه، أي إخفاء آثاره الظاهرة مع ترك جذوره سليمة.

مقاومة التحيز.. استعادة وسائل إنتاج الواقع

إذا كان التحيز ليس خطأً تقنياً بل تعبيراً عن علاقات القوة الطبقية، فإن مقاومته تتطلب أكثر من "أخلاقيات الذكاء الاصطناعي" أو "مجالس المراجعة" داخل الشركات. لذلك الماركسية تقترح مساراً مختلفاً:

1. نزع الملكية عن البيانات

البيانات التي تدرّب الخوارزميات هي نتاج عمل اجتماعي (ملايين البشر أنتجوها عبر عقود). يجب أن تكون ملكاً عاماً، لا ملكية خاصة لشركات قليلة، والمطلب هنا هو إنشاء بنوك بيانات عامة، خاضعة للرقابة الديمقراطية، وتعكس تنوع المجتمع الحقيقي، لا تنوع السوق فقط.

2. الشفافية الخوارزمية كحق طبقي

الحق في معرفة كيف تعمل الخوارزمية التي تقرر مصيرك (توظيف، قرض، قبول جامعي، حكم قضائي) يجب أن يكون حقاً أساسياً غير قابل للتصرف. إن الخوارزميات المستخدمة في القرارات العامة وشبه العامة يجب أن تكون مفتوحة المصدر، قابلة للتدقيق من قبل المجتمع المدني والنقابات.

3. نقابات ضد التحيز

تشكيل نقابات للمستخدمين والعمال مهمتها الرئيسية كشف ومقاضاة التحيز الخوارزمي. هذه النقابات يمكنها تنظيم "إضرابات بيانات" جماعية لحرمان الشركات من البيانات النظيفة، مما يشل الخوارزميات ويجبرها على التفاوض.

4. تطوير خوارزميات مضادة

استخدام الذكاء الاصطناعي نفسه لكشف وتحليل تحيزات الخوارزميات الأخرى. هذا يشبه مفهوم "الوعي الطبقي الخوارزمي": أدوات رقمية تمكن المهمشين من رؤية كيف تستبعدهم الأنظمة، وتوحدهم لمقاومة هذا الاستبعاد.

5. إلغاء القرارات الخوارزمية في المجالات الحيوية

في قطاعات معينة (العدالة، الصحة، الإسكان، التوظيف الأساسي)، لا يحق لأي خوارزمية أن تتخذ قراراً نهائياً. يجب أن يكون هناك حكم بشري قابل للطعن. هذا يعيد توزيع السلطة من الخوارزمية (أداة رأس المال) إلى الإنسان (الفاعل الاجتماعي). في التحليل الماركسي النهائي، التحيز في الذكاء الاصطناعي ليس خطأً يمكن إصلاحه بتحديث برمجي. هو ساحة معركة طبقية جديدة تعكس الصراع القديم بين من يملكون وسائل الإنتاج ومن لا يملكونها، لكن بأدوات جديدة:

في الماضي: الرأسمالي يملك المصنع، العامل يملك قوة عمله فقط. الصراع على الأجر والظروف.

في الحاضر: الرأسمالي الرقمي يملك البيانات والخوارزميات، المستخدم/العامل يملك سلوكه وانتباهه فقط. الصراع على من يقرر ماذا يعني الواقع. 

الخلاصة

إن التحيز الخوارزمي هو آلية لإعادة إنتاج التفاوت الطبقي بطريقة أكثر كفاءة واتساعاً من أي وقت مضى. لكنه أيضاً يكشف عن طبيعة النظام: نظام ينتج التمييز بشكل منهجي، ليس بالصدفة، بل لأنه يحتاج إليه ليبقى. إن القول بأن "التحيز خطأ تقني" يشبه الادعاء بأن "انحراف ميزان صُمم لزيادة أرباح التاجر هو مجرد خلل عارض في المعايرة". الميزان هنا لم يُصمَّم لتحقيق العدالة، بل لتحقيق غاية محددة هي تعظيم الربح، حتى لو جاء ذلك على حساب الإنصاف. وبالمثل، فإن الخوارزمية في سياقها الرأسمالي لا تعمل في فراغ محايد، بل تُبنى ضمن منظومة تُعيد إنتاج مصالح بعينها. لذلك، فإن مقاومة التحيز ليست مسألة إصلاح تقني فحسب، بل هي مسألة تغيير الشروط البنيوية التي تُنتج هذا التحيز بوصفه نتيجة طبيعية. وهذا هو لبّ النقد الماركسي للذكاء الاصطناعي في إطار رأسمالية المراقبة الرقمية.