كتب الأستاذ محمد عبد الجبار الشبوط، مقالا بعنوان "الدين أفيون الشعب" نشر في جريدة "طريق الشعب" بتاريخ 18 شباط 2026، قدم فيه اشتغالا فكريا يستحق الوقوف عنده ومحاورته، سعى من خلاله إلى معالجة إحدى المقولات الأكثر تعرضا للتشويه في تاريخ الفكر الإنساني؛ مقولة كارل ماركس الشهيرة: "الدين أفيون الشعب".
ولا يكاد يوجد موضوع في تاريخ الفكر الحديث أثار من الجدل والنقاش ما أثاره الموقف الماركسي من الدين. فمنذ أن كتب ماركس تلك العبارة التي اقتطعت لاحقا من سياقها، تحولت إلى شعار يختزل في نظر كثيرين الفلسفة الماركسية بأكملها، وان كان هذا الاختزال يخفي أكثر مما يظهر!
فالقراءة الماركسية للدين أعمق وأكثر تعقيدا من أن ترد إلى نص مجتزأ، وهي قراءة يتشابك فيها النقد المادي والبعد الاجتماعي والبعد السياسي في منظومة فكرية متكاملة.
في العديد من المحاور مقاله، كان السيد الشبوط مصيبا، ومن ذلك حين يشير إلى أن اقتطاع تلك العبارة من سياقها أفضى إلى تشويه مزدوج: تشويه لفكر ماركس، وتشويه للنقاش الفكري حول الدين!
غير أن ثمة بعدا جوهريا يغيب عن تحليله، وهو أن هذا التشويه لم يكن محض خطأ معرفي بريء، بقدر ما كان توظيفا سياسيا مقصودا استخدمته أطراف تبدو مختلفة سياسيا، ولكنها تلتقي طبقيا، استخدمته في سياق عداء عداء أيديولوجي يتخذ لبوسا دينيا، ضد الأحزاب الشيوعية والحركات اليسارية، حتى تحولت تلك المقولة، إلى شعار مفتاحي للتكفير وتبرير قتل الشيوعيين. لقد كانت تلك تجربة تاريخية مريرة تعرف عليها الشيوعيون بالدم والسجن والنفي والاغتيال!
لذلك فإن النقاش الذي نخوضه هنا ليس نقاشاً حول ما إذا كان الاسلام خارج سياق مقولة "الدين أفيون الشعوب" أم لا، وهو السؤال الذي شغل قسما مهما من مقال الأستاذ الشبوط. ذلك أن الدخول في هذا النقاش، يجعلنا خارج أرضية المنهج الماركسي، ويحوله إلى موقف عقائدي من النصوص الدينية.
لقد قال ماركس بوضوح في هذا الشأن: "ان نقد السماء يتحول إلى نقد الأرض، ونقد الدين الى نقد القانون، ونقد اللاهوت إلى نقد السياسة".
إذاً، فالسؤال الماركسي الحقيقي مختلف جذريا: كيف يوظف الدين -أي دين- داخل بنية السلطة والاقتصاد؟ وما الوظائف الاجتماعية والسياسية التي يؤديها في لحظة تاريخية معينة؟
الموقف الماركسي من الدين
ولفهم هذا التداخل المعقد، يجب العودة إلى النص الأساس الذي تعرض للبتر والتشويه. كتب ماركس في مقدمة "مساهمة في نقد فلسفة الحق عند هيغل" عام (1844) ما نصه: "إن التعاسة الدينية هي في شطر منها، تعبير عن التعاسة الواقعية، وهي من جهة أخرى احتجاج على التعاسة الواقعية. الدين تنهيدة الإنسان المسحوق، روح عالم لا قلب له، كما أنه روح الظروف الاجتماعية التي بلا روح. إنه أفيون الشعب". هذه المقولة، توضح الموقف الماركسي: الدين بوصفه "احتجاج" و"مسكن" في الوقت ذاته!
وهذا ليس تناقضا في تحليل ماركس، انما هو تناقض الواقع نفسه. فالدين يمكن أن يكون في لحظات تاريخية معينة صرخة المظلومين، وتنهيدة الانسان المسحوق، ويمكن كذلك ان يكون دين السلطة - إسلام السلاطين - وهو الذي يشكل أداة للهيمنة وتبرير نهب الثروات، وينطبق عليه توصيف الأفيون تماماً لأنه يعمل على تكريس خضوع الناس للنظام القائم.
وفي التاريخ الاسلامي، ثمة أمثلة عديدة تؤكد صحة الموقف الماركسي. الأمويون والعباسيون ولاحقا العثمانيون، وظفوا الدين ونصوصه لصالح غاياتهم ومصالحهم. يقابل ذلك ما يمكن وصفه بـ "إسلام المعارضة"، الذي يمثله أبو ذر الغفاري، وعمر المختار والقرامطة وغيرهم، كما يرى المفكر العراقي الماركسي هادي العلوي.
غير أن هذا ليس تمييزا بين "إسلام صحيح" و"إسلام محرف"، فتلك ليست مهمة المنهج الماركسي ولا أدواته. إنه تمييز بين كيفيات متناقضة لتوظيف الدين في الصراع الاجتماعي: حين يصبح أداة في يد الحاكم لتبرير سلطته، وحين يتحول لسانا للمسحوقين يصرخون به في وجه السلطة ذاتها!
وعليه، فان الإشكال في طرح السيد الشبوط، يكمن - لا في دفاعه عن خصوصية الإسلام - بل في المنطق والإطار الذي جرى فيه هذا الدفاع، فهو ينطلق من مقارنة بين الأديان وخصوصيتها، بينما المنهج الماركسي يتجاوز هذا الإطار، وينتقل الى تحليل وظيفة الدين داخل المجتمع.
بمعنى أخرى، ان المشكلة ليست مع "السماء" بل في الأرض، أي في بنية المجتمع، وفي شروط العيش. فبدلا من نقد الدين، يجب توجيه النقد صوب السلطة والقوانين والمؤسسات التي تنظم حياة المجتمع. وبدلا من أن ننشغل بنقاشات عقائدية "لاهوتية"، يجب أن ننتقل إلى تحليل السلطة السياسية نفسها: من يحكم؟ وكيف يحكم؟ ولمصلحة من؟ لأن السياسة في نظر ماركس، هي المجال الذي تتجسد فيه التناقضات الحقيقية.
وهذا بالضبط ما يميز الماركسية عن الإلحاد المجرد، وهو تمييز يستحق الوقوف عنده.
بين المادية والإلحاد!
هاجم تيري إيغلتن المفكر الماركسي الانكليزي، ما أسماه "الإلحاد الضحل"، وميز بينه وبين النقد الماركسي العميق، وهو تمييز سليم تماما. يرى إيغلتن أن تيار الملحدين يهاجمون الدين بوصفه خطأ معرفي، بينما ماركس يخوض معركة سياسية واجتماعية ضد استغلال الإنسان طبقيا، ويدافع عن حق "الإنسان المسحوق" في تنهيدته، التي هي الدين! ثم يسأل بشكل غير مباشر: متى تتحول "التنهيدة" إلى صرخة؟ ومتى يتحول الدين من "عزاء" إلى قوة ثورية؟
يرى إيغلتن أن العلمانية الليبرالية التي تسخر من تدين الفقراء هي "حليف موضوعي للمصرفي"! والمصرفي هنا توصيف مجازي لرأس المال الذي يسرق الفقراء عبر الفوائد المتراكمة من الديون المالية.
بل أن إيغلتن يذهب أكثر من ذلك بالقول إن الرأسمالية هي "القوة الأكثر الحادا". وهي مقولة لها عمق حقيقي. فتحويل الإنسان إلى "سلعة" هو بالمعنى الديني الدقيق نفي لقدسية الإنسان!
ما يجب التأكيد عليه، أن الماركسية ترفض تماما الانجرار خلف الإلحاد البرجوازي الذي يعادي الكادحين المتدينين، كما إثارة المعارك اللاهوتية لأنها تخدم الطبقة الحاكمة، ولذلك يسأل الماركسي دائماً: من يستفيد من الإيمان وكيف يوظفه؟ ومن يستفيد من الإلحاد وكيف يوظفه؟
أتذكر انني قرأت قبل سنوات عن استعارة ماركس لحالة "الأفيون" عند تحليله لظاهرة الدين أنها تنعكس بالضرورة على الموقف من الإلحاد، تقول الاستعارة ما معناه: إذا كان الدين مجرد أفيون لتسكين آلام الانسان، فإن الإلحاد - بالمعنى الفلسفي المجرد- ليس إلا حرمان المريض من المسكن دون ان تجري معالجة جرحه!
من أجل ذلك اختيرت المقولة الأكثر تعبيرا عن فكر ماركس، لتنقش على قبره في لندن: "الفلاسفة اكتفوا بتفسير العالم بطرق مختلفة، والمطلوب هو تغييره".
ما هو موقف الشيوعيين العراقيين؟
تعلمنا نحن الشيوعيين احترام المعتقدات والأديان، من مناضلين حقيقيين تعرضوا في أحيان كثيرة - باسم الدين - للتنكيل والتهجير والسجن والاغتيال. ومع ذلك لم يتبن الحزب الشيوعي العراقي في أدبياته أو برامجه - وهو المتمسك دوما بالماركسية منهجا مرشدا للعمل- أي دعوة لإلغاء الدين او العداء له، إنما أكد على احترام جميع الأديان والمذاهب، ذلك أن الشيوعيين العراقيين يدركون، بوعي تام، أن المهمة الحقيقية هي مواجهة الاستغلال أيا كان مصدره ونوعه، بما في ذلك الاستغلال الذي يوظف الدين كأداة لخدمة مصالحه!
ان الموقف الرسمي للحزب، كما تعبر عنه وثائقه المتعاقبة، ينطلق من مبادئ تدعو إلى إلغاء استغلال الانسان للإنسان بعيدا عن أي تعصب قومي أو عرقي أو ديني أو طائفي او مذهبي. وهذا الموقف ليس براغماتيا، انما يعكس فهما ماركسيا أصيلا مفاده أن الدين ليس العدو، بل الاستغلال هو العدو.
ومصداق ذلك، أن العراق بلد فيه ثروات نفطية وطبيعية وبشرية هائلة، لكن نسبة الفقر فيه بلغت 17.5 بالمئة من السكان وفق آخر مسح اقتصادي واجتماعي أجرته وزارة التخطيط للأعوام 2023-2024، فيما تؤكد مؤسسات مستقلة أن هذه الأرقام الرسمية لا تعكس العدد الحقيقي للفقراء الذي يقدر بما يقارب ربع السكان، اي نحو تسعة ملايين مواطن تحت خط الفقر!
لقد اكتسحت قوى الإسلام السياسي المشهد العراقي بعد 2003، لكنها وللأسف، لم تحمل معها مشروع أبى ذر في توزيع الثروة، ولا زهد القرامطة في رفض الملكية. لقد جاءت معبأة بخطاب ديني - طائفي يقدم الهويات المذهبية على المصالح الطبقية، بما لا يعالج جوهر معاناة العراقيين الذين عاشوا سنوات تحت جحيم الدكتاتورية والحصار الاقتصادي، وما خلفه من فقر وجوع وعوز.
فماذا هي النتيجة التي يعيشها العراقيون اليوم؟ .. طبقة اولغارشية - أقلية حاكمة، تراكمت في يدها ثروات النفط بينما يعيش ثلث العراقيين تحت خط الفقر!
بهذا المعنى تتجلى وظيفة الأفيون، وهذه المرة ليست في شكل وعظ يدعو للصبر والاحتساب والتقية، إنما تجلت في شكل هوية طائفية حولت الفقير من صاحب حق في ثروات بلاده، إلى "حارس مقدسات" يدافع بنفسه عن المنظومة التي تسرق قوته وقوت عياله!
وهنا بالضبط يكتسب "الاغتراب" الذي دلالات أغنى في الواقع العراقي. فالمواطن الذي نزعت عنه صفة المنتج، بفعل تكريس الطابع الريعي للاقتصاد، وتعطيل الصناعة والزراعة، يرى هذا المواطن ثروات بلده تهدر، وهو لا يملك اي سيطرة حقيقية على القرار السياسي او الاقتصادي، ولا على توزيع الثروة الوطنية التي تقسم بين شبكات المحاصصة الطائفية التابعة لقوى السلطة وحاشيتها الزبائنية، ما ينتج شعورا بالعجز وعدم الفهم والاغتراب عن منظومة سياسية لا تمثله!
وتتجلى ذروة ذاك الاغتراب في صورة ما تكون عليه الانتخابات العراقية. فهذه الممارسة الديمقراطية التي يفترض أن تعكس الإرادة الشعبية، جرى تفريغها من محتواها الديمقراطي لتتحول إلى مجرد آلية لإعادة إنتاج هيمنة ذات الأوليغارشية الحاكمة. عبر المال السياسي، وسيطرة السلاح، والزبائنية، تصادر أصوات الناخبين، مما يحول صناديق الاقتراع إلى أداة لشرعنة الاستغلال وتوزيع الريع على شكل حصص بدلا من تغيير الواقع، وهو ما يفسر أسباب المقاطعة الجماهيرية الواسعة.
أصدق تجسيد لهذه التحليل الماركسي لتوظيف الدين في المجال السياسي، جاء من شوارع بغداد والبصرة والناصرية وغيرها من المدن العراقية، حيث اندفع نحو ساحات الاحتجاج، ملايين المواطنين الساخطين على سياسات قوى منظومة المحاصصة الطائفية، رافعين شعارات تعكس وعي طبقي عفوي، يلامس في جوهره صلب النقد الماركسي: "باسم الدين باكونا الحرامية" و"نريد وطنا".
فحين يرى المواطن الفقير في جنوب العراق أن قوته اليومي يذهب إلى تمويل حسابات مصرفية لزعامات سياسية وحاشية زبائنية، بينما تنهار مستشفياته وتتهالك مدارسه، فهذا فشل منظومة طبقية مهيمنة تستعير لغة الإسلام ومذاهبه لإدارة توزيع الغنائم. منظومة تجعل "الفقير الشيعي" يرى عدوه في "الفقير السني" بدلا من أن يرى عدوه المشترك في الطبقة الطفيلية بـ "سنتها وشيعتها"!
الحوار مطلوب وأكثر..
في ختام مقاله يقدم السيد الشبوط دعوة للحوار الحضاري بين الماركسية والاسلام، منطلقا من فكرة أن كليهما يشتركان في قيم العدالة الاجتماعية وكرامة الانسان. وهذه الدعوة في ذاتها مشروعة بل وضرورية في السياق العراقي الذي يعاني من استقطاب حاد بين الهويات.
ولكن هذا الحوار يجب أن يتجاوز ما يمكن تسميته بـ "المصالحة الفوقية" التي تتجنب المسائل الحرجة نحو قضية أهم وأعمق. أن نذهب إلى حوار حقيقي يطرح سؤالا ملموسا: ما الذي يمنعنا من أن نلتقي في مواجهة الاستغلال الراهن؟ وهذا سؤال له إجابة سياسية عملية لا إجابة "فلسفية مجردة"!
بطبيعة الحال، إن موقفنا في الحزب الشيوعي العراقي لا ينظر إلى قوى الإسلام السياسي بناء على موقف أيديولوجي مجرد وقاصر، انما يقترب منها ويبتعد عنها من زاوية موقفها من نهج المحاصصة الطائفية والاثنية، بالإضافة، بكل تأكيد، إلى موقفها من الطبقي.
فالحزب يعمل على استبدال نهج المنظومة المحاصصاتية الفاسدة، بنهج المواطنة والعدالة الاجتماعية، ومن أجل تحقيق مطالب الشعب التي جسدتها انتفاضة تشرين، عبر إقامة أوسع اصطفاف سياسي وشعبي رافض ومعارض للنهج السياسي والاقتصادي لهذه المنظومة.
المطلوب حوار يتجاوز معارك "العلمانية ضد الدين" او "الدين ضد العلمانية"، نحو عمل واسع ينتج حسا مشتركا جديدا بالمعنى الغرامشوي، اي تحويل قيم المواطنة الحقيقية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية إلى بديهيات في الوعي الشعبي اليومي.
بهذا المعنى يصبح الحوار الذي يقترحه السيد الشبوط ليس ممكنا فحسب بل وضروريا، لكن شريطة : أن يكون حوارا ينطلق أساسا من الوقوف بالضد من الاستغلال والفساد والمحاصصة، لا مجرد حوار حول التقارب بين "منظومتين فكريتين".