شهد العالم خلال العقود الأخيرة تحولات كبيرة في طبيعة العمل نتيجة التطور التكنولوجي المتسارع وانتشار الاقتصاد الرقمي، ما أدى إلى ظهور أنماط جديدة من العمالة تختلف عن تلك التي ارتبطت تاريخياً بالمصانع وورش الإنتاج التقليدية. فالعامل الذي كان يرتبط بعقد عمل واضح وصاحب عمل معروف، أصبح اليوم يعمل عبر تطبيق إلكتروني أو منصة رقمية، ويؤدي مهامه تحت إدارة خوارزميات وبرامج حاسوبية تتحكم بساعات عمله ومستوى دخله وفرص حصوله على الوظائف. فكيف يعالج الفكر الماركسي هذه التطورات؟
إن الماركسية ما تزال تمتلك القدرة على تفسير أوضاع العمال الجدد، من خلال تحليل العلاقات الاقتصادية التي تقف خلف الاقتصاد الرقمي، والكشف عن أشكال الاستغلال التي تتخفى خلف شعارات الحرية والاستقلال المهني والحداثة.
الاقتصاد الرقمي وولادة العمالة الهشة
أدى انتشار المنصات الرقمية إلى خلق فرص عمل جديدة في مجالات النقل والتوصيل والتجارة الإلكترونية والعمل الحر عبر الإنترنت. وتحرص الشركات المالكة لهذه المنصات على تقديم نفسها بوصفها مجرد وسيط بين مقدم الخدمة والمستهلك، بينما تصف العامل بأنه "شريك" أو "متعاون مستقل" وليس موظفا.
لكن هذه الصورة الوردية تخفي واقعا مختلفا. فالعامل في الاقتصاد الرقمي غالبا ما يتحمل تكاليف العمل بنفسه، سواء كانت وسيلة النقل أو الوقود أو صيانة المعدات وأدوات الاتصال. كما أنه يفتقر إلى حقوق أساسية يتمتع بها العامل التقليدي، مثل الضمان الاجتماعي والتقاعد والإجازات المدفوعة والتأمين الصحي.
ويجد آلاف العاملين أنفسهم أمام منافسة مستمرة تفرضها المنصات الرقمية، حيث يصبح الدخل اليومي مرهونا بحجم الطلبات وتقييمات الزبائن والقرارات التي تتخذها الشركات المالكة للتطبيقات.
فائض القيمة في ثوب رقمي
تعد نظرية فائض القيمة إحدى الركائز الأساسية في الفكر الماركسي، إذ توضح أن العامل ينتج بضاعة بقيمة أكبر من الأجر الذي يحصل عليه، بينما يستحوذ صاحب رأس المال على الفرق بوصفه ربحاً. وفي الاقتصاد الرقمي لا يختفي هذا المفهوم، بل يعاد إنتاجه بأدوات جديدة. فالشركات الرقمية العملاقة تحقق أرباحا ضخمة من خلال إدارة المنصات الإلكترونية والتحكم في تدفق الخدمات، بينما يحصل العامل على جزء محدود من القيمة التي يساهم في إنتاجها.
لقد اختفت صفارات المصانع وحلت محلها الإشعارات الإلكترونية، لكن العلاقة الاقتصادية الجوهرية لم تتغير كثيرا. فبدلا من المشرف المباشر أصبحت الخوارزمية تراقب العامل، وبدلا من بطاقة الدوام أصبحت التطبيقات الذكية تحدد ساعات العمل وفرص الحصول على الطلبات.
العمل غير المستقر وأزمة الأمان الوظيفي
يعد انعدام الاستقرار الوظيفي من أبرز سمات الاقتصاد الرقمي. فالعامل قد يفقد مصدر دخله في أي لحظة بسبب تغيير سياسات المنصة أو انخفاض الطلب أو حتى نتيجة تقييم سلبي من أحد المستخدمين.
وتفسر الماركسية هذه الظاهرة باعتبارها امتدادا لسعي رأس المال إلى تقليل التزاماته تجاه العامل وزيادة قدرته على تعظيم الأرباح. فكلما تخلصت الشركات من مسؤولياتها المتعلقة بالأجور الثابتة والضمانات الاجتماعية والتعويضات، ارتفعت هوامش الربح على حساب العامل.
ولا يقتصر الأمر على انخفاض مستوى الحماية القانونية، بل يمتد إلى خلق حالة دائمة من القلق وعدم اليقين، تدفع العامل إلى العمل لساعات طويلة أملاً في تحقيق دخل يكفي لتغطية احتياجاته الأساسية.
فرص عمل أم استغلال جديد؟
في العراق، توسعت خلال السنوات الأخيرة تطبيقات التوصيل والنقل والخدمات الإلكترونية، لتصبح مصدراً لعمل آلاف الشباب الذين يواجهون أزمة بطالة مزمنة وصعوبة متزايدة في الحصول على وظائف مستقرة. وقد وجد الكثير من الخريجين والعاطلين عن العمل في هذه التطبيقات منفذا للحصول على دخل يومي يساعدهم على مواجهة الظروف الاقتصادية الصعبة.
إلا أن هذا الواقع كشف في الوقت نفسه عن مشكلات عميقة تتعلق بغياب الحماية الاجتماعية والقانونية. فالعامل الذي يقضي ساعات طويلة في قيادة دراجته النارية أو مركبته الخاصة معرّض للحوادث والإصابات والأخطار اليومية دون أن يتمتع بتأمين صحي أو تعويضات مناسبة.
ومن منظور ماركسي، فإن هذه الظاهرة تمثل انتقالا لأشكال الاستغلال من المصانع التقليدية إلى الفضاء الرقمي. فالشركات المالكة للمنصات تتحكم بالسوق وشروط العمل ونسب الأرباح عبر التكنولوجيا والخوارزميات، بينما يبقى العامل خاضعا لشروط لا يملك القدرة على التأثير فيها.
وتزداد خطورة هذه الظاهرة في ظل ضعف الرقابة على شروط العمل في القطاع الخاص وعدم وجود تشريعات متطورة تنظم العلاقة بين العامل والمنصات الرقمية، الأمر الذي يترك آلاف العاملين خارج مظلات الحماية الاجتماعية والضمانات القانونية.
التكنولوجيا بين التقدم والاستغلال
لا تنظر الماركسية إلى التكنولوجيا بوصفها عدواً للإنسان، بل ترى أن آثارها تتحدد وفق طبيعة النظام الاقتصادي الذي يوظفها. فالتكنولوجيا قادرة على رفع الإنتاجية وتقليل الجهد البشري وتحسين ظروف العمل، لكنها قد تتحول في ظل هيمنة منطق الربح إلى وسيلة جديدة للاستغلال والسيطرة على العمال.
وفي الاقتصاد الرقمي أصبحت البيانات مورداً اقتصادياً لا يقل أهمية عن رأس المال نفسه. فالشركات تجمع كماً هائلاً من المعلومات حول العاملين والمستهلكين وتستخدمها لتوجيه العمل وزيادة الأرباح، ما يمنحها قدرة غير مسبوقة على التحكم بسوق العمل.
الحاجة إلى تنظيم عمالي جديد
إن التحولات التي فرضها الاقتصاد الرقمي تطرح تحديات جديدة أمام الحركة النقابية والعمالية. فالعاملون عبر المنصات الرقمية يعملون بصورة فردية ومتفرقة، الأمر الذي يجعل تنظيمهم والدفاع عن حقوقهم أكثر صعوبة مقارنة بعمال المصانع والمؤسسات التقليدية.
إن التحدي الحقيقي لا يكمن في التكنولوجيا نفسها، بل في طبيعة العلاقات الاقتصادية التي تحكم استخدامها. فالتطبيقات والمنصات الرقمية يمكن أن تكون وسيلة لتحسين حياة العامل وتوفير فرص عمل لائقة، لكنها قد تتحول أيضا إلى أدوات جديدة لتكريس الاستغلال إذا غابت التشريعات والرقابة والضمانات الاجتماعية. وبينما تتراكم الأرباح في أيدي الشركات الكبرى، يبقى العامل الحلقة الأضعف في المعادلة، مطالبا بحقوق لن تفقد مشروعيتها رغم تغير الأزمنة: أجر عادل، وضمان اجتماعي، وبيئة عمل آمنة، وحق في التنظيم النقابي. وهي مطالب ستظل في صلب أي نقاش جاد حول العدالة الاجتماعية ومستقبل العمل في العراق والعالم.