اخر الاخبار

يتخذ الباحث د.محمد عطوان أستاذ الفكر السياسي في كلية القانون والسياسة – جامعة البصرة من فكرة (الطيبة) عند البصريين، وهي فكرة متداولة وشائعة في المجال العام منذ أمد غير محدد، مدخلا لتحليل تاريخ المدينة وما اكتسبته في تحولاتها كمدينة تحوز على موقع جغرافي  وتراث خصب في عهود مختلفة ومصادر ثروة متعددة، ويستعين الباحث بأعمال الفيلسوف الإلماني  (نيتشة) في الجينالوجيا بوصفه منهجا تفكيكيا وفلسفيا للتعرف على أصول القيم وتاريخها ودوافعها النفسية، الطيبة تحيل إلى البساطة  والعامية والامتثال السلبي للطرف المهيمن وهو ما ينصرف إلى العوام والبسطاء، وأن مهمة الباحث هي تقصي البنى الأخلاقية والمعرفية والشعورية لجماعة بشرية معينة، وبمكن التوصل عبر رؤية موضوعية إلى أن السلطات الحاكمة هي من تصنع الأفكار والتصورات وهي تمارس هيمنتها على المحكومين لتؤمن لهم الاعتراف بهدف تملكهم واخضاعهم بما يغلق أفق البنية الاجتماعية السائدة ويرسخ تراتبية لغير صالحهم ويجعل المحكومين قيد التكيف والانخراط في هذا الوضع، لعل هذا يذكرنا بفكرة التطهير (الكاترسيس) في الدراما الإغريقية، إن افتراض وجود  طبائع ثابتة لدى الإنسان أو لدى جماعة ما ينطلق من تصور ميتافيزيقي لا يلبث أن يتعرى أمام حركة الواقع والتاريخ ف (إن هوية أية جماعة ليست جوهرا متجمدا أبد الدهر إنما بنية تاريخية تستحيل إلى صيرورة وانتقالات وقفزات ومكتسبات)، وتلعب الذاكرة دورا في ترويج أفكار وأحكام معينة بيد أنها غير كافية لتثبيت ما هو معرفي في محاولة لتوجيه الأنظار إلى سيماء ونمط سلوكي معين، ما يتطلب استعمال أدوات منهجية تحدد على نحو مدروس وعياني أخلاق البصريين والشروط الاجتماعية والثقافية التي أنشأتها، كانت الدراسات التاريخية والاجتماعية التي كتبت في الماضي عن البصرة مقصورة على أحوال النخب ونشاطاتهم الاقتصادية وملكياتهم وأسرهم الدينية وأصولهم القبلية بينما تتغاضى عن أحوال الغالبية الساحقة من المهمشبن والمسحوقين القابعين في أسفل الدرك الاجتماعي، وبقدر ما يغيبون عن التاريخ المدون تغيب فاعليتهم وأدوارهم فلا يذكرون الا في سياق التبخيس والإشفاق، وهي سنة موروثة عن المؤرخين والإخباريين في التاريخ العربي والاسلامي، كان غالبية البصريين مستبعدين عن الحقل السياسي بينما يقرر مصائرهم من يعيش في مصاف آخر، وبسبب تفشي الجهل وغياب التعليم والفقر فانهم معزولون عن الحياة السياسية وتحتكر ذلك الفئة المهيمنة وتمارس فعل التعمية والإقصاء إزاء الأغلبية، بينما توصف من قبل الإدارة العثمانية أو الإدارة الكولونيالية التي جاءت بعدها بالأصالة، هذا التوصيف لا يعدو كونه حكما أيدلوجيا طبقيا وهو الأيدلوجيا السائدة، فما يقرره الفكر المسيطر هو السائد (الذاكرة الانتقائية عملت على انتاج سرديات مزيفة ومصممة لتكريس الهيمنة الرمزية للنخبة ص 31) ويشير الباحث إلى دور اللغة في انتاج تعميمات وأحكام لأن اللغة تتوسط أفكار العقل وقد تكون غاية في الحيز التداولي لذا فإن وصف البصريين يهدف إلى فعل حقيقة يراد إثباتها للتعبير عن حالة معينة في ذهن الإدارة الحاكمة، هذا الوصف لا يمكن تقبله بيسر ما لم نخضعه لآليات الفحص والمراجعة لتبين مقاصده، قد يكون الوصف مدفوعا من قوى معينة بقصد الاحتواء والتلاعب أو المديح النفعي الذي تستخدمه السلطة لإدامة السيطرة فتغدو صورة البصرة والبصريين هي صورة السلطة، فالصفات التي تخلع على الجماعات لا تنبع من خصائص بيولوجية ولا من معاينة لحضورها كتشكيل اجتماعي ذي طابع مادي بل نتيجة لخطاب سلطوي لترسيخ الهيمنة، وتمارس اللغة هنا فعل ابتكار وخلق لتأطير المفاهيم والأفكار، فقد تكون هذه الصيغة (الطيبة) تعويضا رمزيا عن حقيقة التهميش للبصريين وهم يتفاخرون بها بوصفها مكسبا وهوية تنتقل عبر العهود والأزمان، ولا نعدم وجود موظفين بصريين وممثلي طوائف ومذاهب منخرطين في الإدارة العثمانية ولكنهم كانوا مجردين من امتيازات السلطة فعليا ليظلوا تابعين لسلطة المركز في الإستانة أو بغداد في ما بعد، ومن الأمثلة على ذلك محاولة بعض البصريين المتنفذين فتح فرع لجمعية الاتحاد والترقي في البصرة عام 1908 وهي جمعية أو منظمة تركية نشأت في العقد الأخير من القرن التاسع عشر ودعت إلى قيام دولة ديمقراطية حديثة، ولعب طالب النقيب مع عدد من وجهاء البصرة دورا في ذلك وجلب شارات الجمعية من الاستانة ليوزعها على الأعضاء الجدد ودفع رسوم الجمعية وكان يأمل بالحصول على حظوة في العهد الاتحادي الجديد، ولكنه أخفق في مسعاه ما اضطره إلى تحقيق اتصال مع الشريف حسين الذي تحالف مع البريطانيين لطرد العثمانيين من البلدان العربية، ومعروف عن طالب النقيب تقلب مواقفه وعلاقاته وتغليب مصالحه الشخصية وهو يعبر عن قلقه من المتغيرات الدولية.

قسم الباحث كتابه إلى قسمين رئيسيين في القسم الأول تناول موضوعة (الطيبة) كوصف أخلاقي يتداخل مع رؤية أيدلوجية لتثبيت هيمنة السلطة على الأطراف والأقاليم وقد تواصل هذا النهج حتى بعد تأسيس الدولة العراقية الحديثة وفي مختلف عهودها، فالسياسات الحاكمة في المركز كانت ترتاب في فكرة الإدارة الذاتية للأطراف وتمنع تمكينها من المشاركة في بناء منظومة وطنية وخطاب وطني، حتى مع ظهور مؤسسات حديثة نقلت المدينة من تموضعها الطرفي إلى فضاء رحب والانفتاح على التجارة والتبادلات الدولية وتحولها إلى بيئة كوزموبوليتانية تقوم على التعددية الدينية والثقافية بنشوء الموانىء والاستثمارات النفطية والتعليم بمراحله المختلفة.

يتناول في القسم الثاني انتفاضة آذار 1991 بخلفياتها المعروفة عقب حرب الكويت والانسحاب المذل والدامي للجيش العراقي وعقم حسابات النظام آنذاك واندفاع مجاميع من الشباب في عدة محافظات لإعلان تمرد مسلح وإشهار بالعداء لرموز النظام على نحو غير مسبوق، كانت  البصرة  مهدا لذلك الفعل الدراماتيكي الذي وأدته حسابات إقليمية وتواطؤ دولي سافر، فقد توشح سيماء الانتفاضة بشعارات ايدلوجية وسياسية موحى بها من المعارضة الشيعية المقيمة في إيران ما أثار الفزع لدى قوى إقليمية وتحولت الانتفاضة  إلى مغامرة غير محسوبة العواقب اذ  بدت كأنها تتغذى على خزين من الأحقاد والمرارات المترسبة عن حرب الثماني سنوات بين العراق وايران فأجهضت بمذبحة دموية أضيفت إلى جرائم النظام السابق.

وفي مبحث آخر بعنوان (البصريون والمنقذ) يتناول الباحث ظاهرة الصدر الثاني في التسعينيات وتجلياتها في البصرة، كانت سيرة الصدر مغايرة لما كان مألوفا لدى مراجع الشيعة والسلطة الروحية للشيعة في العراق تحديدا، ففي سلوكه وملبسه ومعاشه يتسم بالزهد والتقشف في صورة تتمثل النموذج الأعلى في السردية الشيعية وينفتح على ما هو شعبوي وثقافي مناطقي كما لو أنها صورة مستعادة من دهاليز القرون الغابرة، ولقد تصدى لمسائل مثل التمايز العرقي داخل الحوزة النجفية، ولأول مرة يثار سؤال حول أصول وجدارة  المرجعيات الشيعية، كان حضوره في البصرة وسواها من المحافظات الجنوبية بمثابة (المطرقة) التي تؤرق أقطاب النظام وجهازه البوليسي والحزبي، حتى استوى كبديل رمزي عن صورة الدكتاتور التي تهيمن على المجال العام عبر ماكنة دعائية ضخمة وثلاثة عقود من القمع البوليسي والمكائد والتصفيات الجسدية والسياسية، إن مناخ الحصار الاقتصادي في التسعينيات وظلاله القاتمة على حياة الفئات الاجتماعية المختلفة من الشعب ولامبالاة النظام بمعاناتها تسببت في تشكيل صورة المثال الديني والسياسي، لقد دشن الصدر الثاني طورا جديدا من الشعبوية التي انبجست من القهر والحرمان والذاكرة المترعة بالخوف والخسارات والإحساس المرير بالتسلط والطغيان، ولكنها هذه المرة جاء ت محمولة على موجة عارمة من  التدين الشعبي بتجلياته وصوره المعروفة، ولذا يعتبر الصدر بنظر مقلديه ( تمثيلا معنويا لأحلامهم اذ أعاد اليهم الإحساس بالكرامة والوجود وتحول إلى رمز جمعي يعوضهم عن التهميش التاريخي والغياب عن المشهد السياسي والديني).

أعتقد أن مهمة الباحثين في الفكر السياسي والسوسيولوجيا هي مساءلة واستنطاق الانعطافة في الوعي السائد في العراق نحو الانغلاق الدوغمائي والخرافة و(الجهل المقدس ) ونبذ المختلف ممتزجا بالتقاليد البالية والعشائرية وبكل ما تختزنه الذاكرة الجماعية من أوهام وممارسات عفى عليها الزمن، ما يعمق (هشاشة البنيان المدني) التي أشار اليها الباحث ويعرقل بناء مؤسسات الدولة وأداء دورها على نحو صحيح ويشوه صورة الديمقراطية المرسومة كهدف للنخب السياسية العراقية على اختلاف مشاربها وبرامجها.

إن محاولة د. محمدعطوان في كتابه الجديد (أصل الطيبة : نقد الهوية المصطنعة للبصريين) تمثل مراجعة لصورة البصرة في تحولاتها التاريخية وصولا إلى بناء منظومة وطنية حقيقية تتكافأ فيه الأطراف والمركز وتتموضع فيه البصرة كحاضرة ثقافية في عصور مختلفة وممر إلى العالم الخارجي ومورد رئيسي تستند اليه خطط الانماء والنهوض الاقتصادي والحضاري.