لم تستمر احتجاجات المكون المسيحي في منطقة بادينان ، ومرّت كما تمرّ معظم الأحداث العابرة في وسائل الإعلام، لكن ذلك لا يعني أن القصة قد انتهت.
بالنسبة للمكونات الدينية والقومية في إقليم كردستان، لا تمثل الأرض مجرد مساحة جغرافية أو رأسمال اقتصادي، بل هي الجذور، والهوية، والتاريخ، وجزء أصيل من كينونتهم وشخصيتهم. فعندما تُسلب الأرض من صاحبها الأصلي، لا تضيع قطعة من التراب فحسب، بل تنقطع صلة تاريخية عميقة، الأمر الذي يزعزع الثقة ويقوّض أسس التعايش السلمي.
نحن، في فريق الصحافة الاستقصائية بمنظمة السلام والحرية، أعددنا عام 2016 تقريراً ميدانياً استقصائياً موسعاً بعنوان: «المكونات ومشكلة الأراضي والممتلكات؛ مسيحيو إقليم كردستان نموذجاً»، بعدما استشعرنا مخاطر التغيير الديموغرافي وتزايد الضغوط على المكونات. وقد كشفنا في ذلك التقرير عن مجموعة من الحقائق المرة.
وقد تناول التقرير منطقة وادي نهلة في محافظة دهوك بوصفها نموذجاً صارخاً لهذه القضية. فهذه المنطقة، التي تمتلك تاريخاً عريقاً من الاستيطان المسيحي، شهدت مراحل قاسية من الاستيلاء على الأراضي والتهجير. فمن جهة، ما تزال آثار السياسات العنصرية لنظام البعث ماثلة، بعدما استهدف أراضي المسيحيين بالمصادرة عقاباً لهم على مشاركتهم في الثورة الكردية، ومنحها لآخرين. ومن جهة أخرى، وهو ما يستدعي التوقف والمراجعة، استمر هذا الواقع بعد عام 1991 في ظل سلطة التحالف الحاكم.
وأظهرت نتائج التقرير، مدعومة بالوثائق الرسمية والتاريخية، أن أشخاصاً متنفذين يتمتعون بنفوذ عشائري وحزبي استولوا على أراضٍ وبساتين تعود لقرى مسيحية، منها: كشكاوا، وهيزانكي، وخليلاني، وشولي (جولي).
ومن خلال اللقاءات الميدانية التي أجريناها مع أصحاب الأراضي والمسؤولين في المنطقة، توصلنا إلى نتيجة خطيرة مفادها أن المشكلة لا تكمن في غياب القانون، بل في آليات تنفيذه. فالعشرات من العائلات المسيحية تحتفظ بقرارات قضائية نهائية وباتة تثبت ملكيتها للأراضي، لكن عندما تصل القضية إلى مرحلة التنفيذ، تتراجع الأجهزة الأمنية والإدارات المحلية مراعاةً لـ«خاطر رؤساء العشائر» أو للمصالح السياسية والحزبية. ولم يؤدِّ ذلك إلى تعميق خيبة الأمل لدى المواطنين المسيحيين فحسب، بل عزز أيضاً شعور المتجاوزين بأنهم فوق القانون وبمنأى عن المساءلة.
لقد حذرنا في تقريرنا من أن هذا الوضع لا يمثل مجرد نزاع بسيط على ملكية عقارية، بل هو شكل من أشكال التغيير الديموغرافي الناعم والهادئ، الذي سيدفع المسيحيين، في نهاية المطاف، إلى الهجرة خارج البلاد. ورغم أن برلمان كردستان صادق عام 2015 على قانون حماية حقوق المكونات، الذي نص في مادتيه الرابعة والخامسة على منع التغيير الديموغرافي وإعادة الأراضي المتجاوز عليها، فإن القانون، كما أشرنا في التقرير، لا يمكن أن يكون درعاً لحماية الحقوق والحريات وتحقيق العدالة الانتقالية من دون وجود إرادة سياسية حقيقية. وحتى فتوى لجنة الفتوى في اتحاد علماء المسلمين، التي اعتبرت الاستيلاء على أراضي المكونات محرماً شرعاً، لم تنجح في وضع حد لهذه الانتهاكات.
وبعد مرور سنوات على صدور ذلك التقرير، وعندما نصغي إلى صرخات المسيحيين ونعود إلى توصياته، نجد أن الجرح ما يزال نازفاً ولم يندمل بعد. إن حل هذه الأزمة يتطلب قراراً سياسياً شجاعاً يضع المواطنة معياراً وحيداً، بدلاً من العشيرة والحزب. وعلى حكومة الإقليم أن تدرك أن حماية أرض مواطن مسيحي في نهلة أو أربيل ليست مجرد حماية لملكية خاصة، بل هي حماية لآخر خيوط التعايش والثقة التي عُرف بها إقليم كردستان على المستويين المحلي والدولي.
إن إعادة الحقوق إلى أصحابها هي الطريق الوحيد لكي يتحول شعار «كلنا مواطنون» من مجرد شعار إعلامي إلى واقع ملموس يعيشه الجميع.