اخر الاخبار

منذ قرابة عام، يدور نقاش بشأن التوجه لبناء "جبهة شعبية"، في محاولة لايجاد رد سياسي على الحراك الذي يشهده الصراع السياسي داخل نظام المحاصصة الطائفية – الإثنية في العراق، والذي انتجه الغزو الأمريكي ورسخه الصراع الدولي - الإقليمي على الانفراد بالهيمنة على البلاد، ذلك الذي عنوانه الرئيسي الصراع الأمريكي – الإيراني. فقد توافق الطرفان، لأكثر من عقدين، على تحديد مسارات الصراع داخل نموذج الدولة الفاشلة التي تمتعت برعايتهما، دون أن نغفل الحضور التركي والخليجي داخل العراق، والذي عمل هو الآخر على توظيف نظام المحاصصة، وترسيخ ما هو قائم، ومنع أية محاولة لخروج البلاد من هذا النفق المظلم الذي ما زال غارقاً فيه.

أدت أحداث السابع من تشرين الأول 2023 في غزة، وحروب الشرق الأوسط التي فجرتها، والمستمرة إلى الآن بأشكال ومستويات مختلفة، إلى تغيير في التوازن بين القوى الدولية والإقليمية، لصالح الأولى. وجاء تشكيل الحكومة العراقية الحالية ليشكل عراقيا ملمحها الأبرز. وقد حفزت هذه المتغيرات التي لم تمس حتى الآن جوهر وطبيعة النظام السائد في العراق، القوى الوطنية والديمقراطية، وفي القلب منها قوى اليسار العراقي إلى طرح ضرورة بناء "جبهة شعبية" أو "جبهة شعبية موسعة" كأداة رئيسية للتقدم على طريق تفكيك النظام السائد، وإقامة بديل وطني ديمقراطي، جوهره بناء دولة مؤسسات وطنية ديمقراطية تزيل خراب الفوضى التي سادت في البلاد بعد انهيار دكتاتورية صدام حسين.

أود هنا ان أطرح رأياً مكثفاً بشأن النقاش الدائر حول فكرة " الجبهة الشعبية" دون التطرق إلى الكثير من المحاور الهامة المرتبطة بالراهن العراقي، مثل طبيعة الحكومة الجديدة، والموقف من توجهات رئيسها، أو الأسئلة الكثيرة المتعلقة بأوضاع اليسار العراقي وبدائله الممكنة، والتي يدور بشأنها نقاش واسع، بلا محددات واضحة، في وسائل التواصل الاجتماعي. وقد تضمن هذا النقاش أفكاراً وموضوعات رصينة، إلى جانب محاولات شكلية تفتقر إلى المضمون، هدفها مجرد المشاركة. لذلك، بقي ما هو رصين غير مرئي، بسبب عدم تنظيم سير المناقشات على أساس ثوابت مشتركة تجعل هذا الحوار أكثر ملموسية، وتبعده عن الرغبات الشخصية المشروعة التي تقف وراءها عوامل اجتماعية ونفسية، لان السعي لبلورة بديل مشترك لليسار في هذا الواقع المعقد، يختلف كليا عن محاولة طرح تصورات وردود فعل شخصية، تبقى مهمة بالنسبة لاصحابها.

 الجبهة الشعبية

ان محاولة تجميع قوى اليسار العراقي تحت مسمى "الجبهة الشعبية"، وحتى إطلاق تسمية "الجبهة الشعبية الواسعة" على تحالف واسع يضم إلى جانب اليسار القوى الوطنية الديمقراطية الساعية لتحقيق التغيير الشامل المنشود، يثير داخل أوساط اليسار على الأقل نقاشا نظريا بشأن المفهوم، والظروف التاريخية التي ساد فيها، وكذللك التساؤل بشأن مدى ملائمة الهدف المعلن لتوازن القوى في العراق، والظروف الدولية والإقليمية التي تحيط به، والإمكانيات الفعلية لليسار. وهو نقاش قد يكون مهماً ومطلوباً على صعيد البحث، لكنه في سياق واقع اليسار العراقي سيتحول إلى عامل إبطاء وعرقلة يضاف إلى قائمة عوامل أخرى تثقل هذا اليسار، انطلاقا من حقيقة بسيطة تقول إذا ناقش عشرة يساريين مفهوماً ما، فيمكن ان تحصل على عشر إجابات مختلفة. في حين ما نحتاجه كيسار عراقي هو تحديد المشتركات، وبالتالي الاتفاق على استراتيجية وتكتيك يمكن ان يجمعنا، وهذا يتطلب المزيد من الممارسة الميدانية الملموسة، والقليل من المناقشات النظرية المجردة، كما هو جاري اليوم.

 من التجارب التاريخية 

اعتقد ان المشتركات بين الراهن العراقي وتجربة الجبهة الشعبية في فرنسا عام 1936، وكذلك نسختها الانتخابية التي تحققت قبل سنوات محدودة جدا، تتلخص ربما في أن اليسار الفرنسي في التجربتين، سعى لقطع الطريق على خطر فاشي داهم، واليسار العراقي يسعى إلى بناء مشروع بديل يفضي إلى انهاء الخراب السائد ومعه سلطة نظام المحاصصة والفساد.

اما الفوارق فيمكن الإشارة إلى بعضها:

كان العامل المباشر لتوجه اليسار الفرنسي لبناء جبهة 1936 الشعبية، هو محاولة قوى اليمين الفرنسي، والتي كانت تضم جمعيات من قدامى المحاربين في الحرب العالمية الأولى، إضافة إلى متعاطفين مع نظام موسوليني في روما، متحالفين مع الحركة الملكية القومية. ففي 6 شباط 1934، اقتحم هذا اليمين مبنى الجمعية الوطنية في باريس بهدف إسقاط الجمهورية، موظفاً مجموعة من ملفات الفساد. ورغم إحباط المحاولة، فقد أسفرت عن 17 قتيلاً و2300 جريح، وشكلت صدمة سياسية كبيرة.

في العراق نحن إزاء تحالف حاكم يحاول إعادة ترتيب أوراقه، للحفاظ على السلطة، وتجديد هيكلية منظومة الفساد، لكي تستمر في خدمته في الظروف الجديدة. وليس في العراق مؤسسات دستورية راسخة تستند إلى وعي شعبي مستعد للدفاع عنها، والعكس هو الصحيح.

لقد تشكلت الجبهة المناهضة للفاشية أولا بين قواعد الحزب الشيوعي الفرنسي والحزب الاشتراكي، ودون قرار قيادي من الحزبين. فعندما خرجت في باريس في 12 شباط من ذلك العام مسيرتان منفصلتان احتجاجاً على محاولة الانقلاب اليميني، واحدة اشتراكية وأخرى شيوعية، التقتا بشكل عفوي، وبدأ المتظاهرون يهتفون: الوحدة! الوحدة! وقد شارك في تلك التظاهرة نحو 150 ألف متظاهر. وتحت ضغط قوي من القواعد الشيوعية في فرنسا والدول المجاورة، وكذلك تحت تأثير تجربة الهزيمة الثقيلة للحزب الشيوعي في ألمانيا أمام النازية. وبدء الأممية الشيوعية المتاخر في التحضير لتغيير في الخط السياسي. وإذا ما عرفنا أن نفوس فرنسا في النصف الأول ثلاثينيات القرن العشرين أقل من 42 مليون نسمة بقليل، أي قريبة إلى نفوس العراق الآن، فالسؤال: هل تستطيع قوى اليسار العراقي المنظمة، أو قواعدها الشعبية تعبئة 150 ألف متظاهر؟ اعتقد ان ذلك أمر صعب التحقيق. بالإضافة إلى ذلك تشكلت الجبهة الشعبية في فرنسا في ظرف إقليمي ودولي انطوى على وجود يسار قوي وفاعل في المحيط الإقليمي وهذا الأمر يكاد يكون مفقوداً في العراق.

وحتى الجبهة الشعبية الانتخابية الأخيرة، قامت على تراكم من التحالف والافتراق، والكثير من النقاط البرامجية الملموسة التي لا خلاف عليها داخل معسكر اليسار الفرنسي، في حين أن اليسار العراقي بدا يدشن للتو خطوات التقارب، بموازاة دعوات مستعجلة عن أطر تنظيمية جامعة سريعة.

وارتبطت التجربة الفرنسية بوجود نقابات عمالية يسارية التوجه فضلا عن وجود مشتركات مع الاتحادات النقابية التقليدية وإن كانت محدودة، إلى جانب حركات اجتماعية فاعلة تصدرت مشهد الصراع في أكثر من مناسبة وفرضت نفسها كعامل مؤثر لا يمكن تجاوزه. ويمكن هنا الإشارة ـ على سبيل المثال لا الحصر ـ إلى نماذج منها: حركة "السترات الصفر" 2018-2019، حركة الإضرابات والتظاهرات ضد إصلاح نظام التقاعد الذي رفضته الأغلبية الساحقة في البلاد بين كانون الثاني واذار 2023، استمرار الدور الفاعل للحركة النسوية على اختلاف تياراتها، في حين ان الاتحادات النقابية في العراق نخبوية ومتشظيه، فضلا عن صعوبة الحديث عن وجود حركات اجتماعية مؤثرة في العراق. وقد يُشار إلى الحركة الاحتجاجية في العراق التي توجت نسختها الأولى بانتفاضة تشرين 2019 ، إن هذه الحركة تنطوي على مضامين ومطالب اجتماعية، لكنها بقيت بلا حراكات اجتماعية منظمة تتبناها.

ولذلك فان الحركة الاحتجاجية في العراق، التي فرضها الواقع الموضوعي وبادرت إلى اطلاق محطتها الأولى في عام 2011 قوى سياسية، لعل أبرزها الحزب الشيوعي العراقي، تراجعت في الواقع بعد المتغيرات التي طرأت عليها، بفعل محاولة قوى السلطة الفاشلة احتوائها، وبعد ذلك دخول التيار الصدري بقوة إلى ساحاتها، مما غير من طابعها وأثار أسئلة سياسية بشان مآلها، فاختلفت عليها القوى العلمانية بين مؤيد ورافض، ولذلك لم تستطع هذه القوى المنظمة، أن تلعب دورا مؤثرا في انتفاضة تشرين 2019 التي امتازت بأفقيتها، وخطابها الرافض للأحزاب والحزبية، مما أدى إلى فقدانها لهيكلية تنظيمية ولبرنامج محدد يمكن العمل لتحقيقه، وكان في نهاية المطاف من الأسباب الرئيسية إلى جانب قمع السلطة وامتداداتها، التي أدت إلى نهايتها.

لقد كانت قوى اليسار الفرنسي في الجبهة الشعبية الأولى والثانية، باعتبارها قوى ممثلة لطبقات وفئات، شكلت تعددية واضحة تمتد من يسار الوسط مرورا بالشيوعيين، ووصولاً إلى اليسار الشعبوي، وآخر "مناهض للراسمالية". وكان اليسار الفرنسي في موقف هجومي، على الرغم من الصعوبات التي واجهها، ومحاولات اليمين إرهابه، ولذلك كانت لغته بشأن التحول الاجتماعي مفهومة من قبل جمهوره المتنوع، في حين أن تعددية اليسار العراقي موجودة، ولكنها غير مؤثرة، وتتحرك حتى الآن في دائرة المطالبات والموقف الدفاعي، ولذا فهناك ضرورة إلى التحول إلى موقف فكري وسياسي هجومي لا يقوم على ردود الأفعال، بل على أساس مشاريع ملموسة قائمة على تعامل فعلي مشترك ينجح في تنظيم مخاوف وآمال الأوساط الواسعة الساعية إلى التغيير.

 مهمتان مترابطتان

اعتقد أن اليسار العراقي، واستنادا إلى الواقع الموضوعي يواجه مهمتين مترابطتين ومتوازيتين:

الأولى العمل الجدي على بناء مشروع سياسي لليسار قائم على المشتركات والتضامن والحوار الموضوعي البعيد عن الروح الحزبية الضيقة، أو محاولة تحقيق مكاسب شخصية سريعة. ومن المفيد الإشارة إلى أن بدون هكذا مشروع لا يمكن لأي تغيير شامل مقبل في العراق أن ينطوي على توجهات تقدمية تتبنى وتدافع عن مصالح الأكثرية المغيبة، أي ضرورة خلق التراكم المطلوب لمعسكر يسار فاعل وصاحب حضور لا يمكن لا للمنافسين ولا للخصوم تجاوزه، وقادر على العمل داخل البرلمان وخارجه وفق الأولويات التي يراها مناسبة، بمعنى آخر الوصول إلى صيغة من "يسار المشتركات"، الذي تشكل الممارسة الميدانية والحضور المرئي في مواقع السكن والعمل، التعاون المتبادل في المنظمات الديمقراطية، والنقابات العمالية والمهنية والحراك الاجتماعي سداه ولحمته. إن الحديث الجاري في أوساط اليسار عن وحدته، بالمعنى المراد من هذه المفردة، أراه حلماً نبيلاً، لكن يخلو اليسار العالمي للأسف من نموذج له، فحتى التحالفات اليسارية التي حققت نجاحات سياسية وانتخابية في العديد من بلدان العالم، لا تمثل وحدة تنظيمية أو تطابقا فكريا سياسيا كليا، لهذا فالواقع العملي يجعل من تحالفات وأطر العمل المشترك الخيار الواقعي خصوصا في بلدان، مثل العراق، تعرض فيها اليسار لعقود طويلة إلى قمع منظم. وقد تمثل هذه الرؤية مرحلة سابقة لبناء الجبهة الشعبية، كما عكستها التجارب العملية للحركة العمالية، التي استندت أكثر قواها على قراءتها للمنهج الماركسي.

والثانية تدقيق العمل الجاري منذ سنوات لبناء إطار عمل مشترك يجمع قوى اليسار والقوى الوطنية الديمقراطية الأخرى المعنية بتفكيك نظام المحاصصة الطائفية والاثنية ومنظومة الفساد المتمتعة بحمايته والعمل على بناء دولة المؤسسات الوطنية الديمقراطية، التي بالضرورة تكون علمانية وذات سيادة غير منقوصة. ومن الضروري مراجعة التجربة العملية، وتخليص هذا المسعى من اعتماد عناوين شكلية، ومشاريع شخصية، لا تستند إلى الحد الأدنى من الحضور وامتلاك قواعد حقيقية، فضلا عن الدخلاء والمتسلقين، وحتى المرتزقة الذين بادروا في أكثر من تجربة إلى بيع "مواقفهم" إلى قوى السلطة بثمن بخس.

 لا غنى عن المراجعة والتجديد

يمتد تاريخ اليسار العراقي إلى أكثر من مئة عام، وخلال هذا التاريخ الطويل سطر اليساريون أمجادا لا تمحى ومآثر لا تنسى، وساهموا بشكل أساسي في نشر التنوير وبناء الوعي واثبتوا ان التطلعات الثورية ممكنة وقابلة للتحقيق. وخلال هذا المسار الطويل شاخ الكثير، وتحول إلى عامل معيق، لهذا تتطلب التحديات التي نواجهها اليوم يسارا يعيش زمنه ويعمل ويتفاعل بقراءات فكرية، وذهنية وآليات وأشكال تنظيم معاصرة، تستلهم التجربة التاريخية ولا تبقى حبيسة فيها. وبالتالي لا غنى عن عملية مراجعة وتجديد ملموسة وواسعة وتفصيلية، صادقة وجريئة ولا تعرف التردد، وبعيدة عن الشكلية والبيروقراطية وذهنية التبرير. إن تجربة اليسار العالمي وخصوصا بعد تفكك تجربة الاشتراكية الفعلية، تؤكد بما لا يقبل الشك أن القوى والأحزاب التي سلكت طريق المراجعة والتجديد بصدق وجرأة وشفافية وبروح تضامنية، استطاعت الاستمرار وتحقيق النجاحات، في حين تهمشت القوى الحبيسة في الماضي، ويتضاءل تأثيرها يوماً بعد آخر وتحول الكثير منها إلى عنوانين مجردة. وبالتأكيد لا يتمنى أي منا هذا المصير ليسارنا الذي نعقد عليه آمالنا الكبيرة.