اخر الاخبار

شارك قرابة 200 مختص في سمنار ماركسي بعنوان "ازمة الرأسمالية والتحول نحو اليمين". استضافت السمنار مدينة فرانكفورت / ماين، ونُظم من قبل أربع مجلات ماركسية ويسارية: روزا لوكسمبورغ، أوراق ماركسية، وموقع الاشتراكية، والتجديد الماركسي.

في ثلاث جلسات نقاشية، دار نقاش مكثف حول كيفية ارتباط أزمة الرأسمالية الراهنة والتحول اليميني المنتشر في كل مكان، وما هي الاستراتيجيات المضادة المتاحة. تناولت الجلسة الأولى: الأبعاد الاقتصادية والسياسية للأزمة. والجلسة الثانية تناولت سؤال "ماذا يعني التطور نحو اليمين بالضبط؟ هل هو استمرار للديمقراطية غير الليبرالية، أم عودة الفاشية، أم تشكيل جديد لحكم الطبقة؟" وناقشت الجلسة الثالثة نقاط الانطلاق للحركات المقاومة.

ادناه ترجمة لمساهمة تيمو رويتر (نقابي في قطاع صناعة السيارات، ومحرر مشارك في مجلة أوراق ماركسية، المجلة النظرية للحزب الشيوعي الألماني).

عصر الوحوش ومهمة استراتيجية نقابية لمكافحة الفاشية

صاغ أنطونيو غرامشي عبارة للمراحل الانتقالية التاريخية ما تزال راهنة ومقلقة اليوم: "العالم القديم يحتضر، والعالم الجديد لم يولد بعد: إنه عصر الوحوش".

هذا الجملة تتجاوز تشخيص متشائم ثقافيًا، فهو يصف أزمة عضوية في الهيمنة: إذ تفقد العلاقات المجتمعية المهيمنة قدرتها على تنظيم التأييد، اقتصاديًا وسياسيًا وأيديولوجيًا. وفي الوقت نفسه، ما تزال الطبقة المهمشة عاجزة عن تطوير وتنفيذ مشروعها الخاص للقيادة المجتمعية. ولذا، فإن الأزمة مفتوحة ومتناقضة وموضع صراع.

فكيف يمكننا استخلاص شيء إيجابي من مفهوم الأزمة؟

لا يفهم غرامشي الأزمة كحالة استثنائية، بل كتكثيف للتناقضات المجتمعية. وهنا بالضبط يكمن جوهرها التحرري. لذا، فإن المفهوم الإيجابي للأزمة لا يعني التغاضي عن الاضطرابات أو التقليل من شأن المعاناة، بل يعني فهم الأزمة كلحظة تتلاشى فيها المسلّمات السابقة، وتصبح فيها التوجهات السياسية الجديدة ممكنة.

بالنسبة لليسار المجتمعي، من الأهمية بمكان عدم التعامل مع الأزمات باعتبارها مشاكل أخلاقية أو مشاكل تواصل بحتة، بل باعتبارها تعبيرات عن تمزقات مادية: كالهشاشة والوظائف غير المستقرة، والخوف من التدهور الاجتماعي، والتوترات الجيوسياسية، والتدمير البيئي. أما أولئك الذين يكتفون برثائهم  للأزمات أو يقدمون تعليقات نخبوية، فإنهم يفسحون المجال أمام قوى تقدم صورة عدو بشكل تبسيطي وحلولاً استبدادية.

لذا، يتطلب الفهم الإيجابي للأزمات طرح الأسئلة التالية: أين ينهار الدعم للنظام القائم؟ ما هي تجارب الظلم والعجز والخسارة التي تدفع إلى هذا الانهيار؟ كيف يمكن لمشروع تقدمي قائم على التضامن أن ينبثق في ظل هذا الوضع؟

 وحوش عصرنا

إن "الوحوش" التي يتحدث عنها غرامشي ليست ظواهر هامشية، بل هي إجابات بنيوية معاصرة من الطبقة المهيمنة على فقدانها السيطرة. وتبرز، بشكل خاص، أربعة من هذه الوحوش:

1 - تدمير التماسك الاجتماعي

يتم تقويض التضامن الاجتماعي بشكل منهجي: من خلال المنافسة، والمنطق القائم على الموقع الاجتماعي، والتقليصات الاجتماعية، والانقسامات العرقية. يُوضع الناس في مواجهة بعضهم البعض - العاملون ضد العاطلين عن العمل، والسكان الأصليون ضد المهاجرين، و" الأداء المتميز" ضد "عوامل التكلفة".

2 – إعادة بناء استبدادي للمجتمع

تُهدم إنجازات الطبقة العاملة في مجال الرعاية الاجتماعية، بينما تتوسع أجهزة الشرطة والمراقبة والقمع. ويُهمّش النقاش السياسي حول الأهداف المجتمعية والبدائل وعلاقات السلطة. وتُقدّم القرارات على أنها قيود تقنية لا تحتاج إلا إلى "إدارة فعّالة". وفي أيام غرامشي ، التي نظمت في عام ٢٠٢٤ في مدينة "براونشفايغ"، تحدث إنغار سولتي ببراعة عن "رأسمالية ما بعد الليبرالية"، التي لم تعد قادرة على الوفاء بوعودها السابقة.

3 - العسكرة والعنف كوضع طبيعي

تُرسخ الحرب والتصعيد العسكري من جديد كأدوات مشروعة في السياسة العالمية. وفي الوقت نفسه، تُهيأ المجتمعات للحرب - أيديولوجيًا واقتصاديًا وثقافيًا. ويُسوّق التحول إلى إنتاج الأسلحة على أنه ضمان لفرص العمل، رغم أنه، على المدى الطويل، يمهد الطريق لانعدام الأمن والدمار وحروب جديدة.

4 - أزمة المناخ والتدمير البيئي كمأزقٍ بنيوي

تُختزل الطبيعة إلى مجرد مورد، وتُتجاهل حدودها البيئية طالما تشترطها متطلبات النمو والأرباح والتنافس الجيوسياسي. وبدلاً من معالجة الأسباب الجذرية لأزمة المناخ وانقراض الأنواع، يلجأ أصحاب السلطة إلى آليات السوق. وتُحمّل تكاليف التدمير البيئي على كاهل دول الجنوب العالمي، وعلى الأجيال القادمة، وعلى الأقل اسهاما في التدمير. وهكذا، تُصبح أزمة المناخ نفسها ساحةً أخرى للانقسام الاجتماعي، والسياسات الاستبدادية، والعنف المحتمل، بدلاً من أن تكون نقطة انطلاق لعملية تحول مجتمعي تضامني.

هذه الوحوش ليست حوادث في مصنع التاريخ. إنها نتيجة أزمة يحاول فيها النظام القديم حل مشاكله بواسطة القسوة والعزلة والعنف فقط.

من مناهضة فاشية عاجزة إلى استراتيجية مادية

في ظل هذه الخلفية، تبرز الحاجة إلى استراتيجية نقابية مناهضة للفاشية تُسهم فعلياً في "إحداث تغيير إيجابي في العالم". وتبرز ثلاثة مبادئ أساسية في هذا السياق:

1 – التغلب على العجز

أعني بـ "مناهضة الفاشية العاجزة" شكلاً من أشكال مناهضة الفاشية يدين الفاشية أخلاقياً، لكنه يعجز عن تفسيرها مجتمعيا: فهو يُحارب المواقف بدلاً من الظروف، ويدافع عن الوضع الراهن بدلاً من تغييره، وبالتالي يبقى غير فعال سياسياً. تصبح مناهضة الفاشية عاجزة عندما تُعبّر عن غضب أخلاقي دون تقديم تفسير مادي أو بديل مجتمعي.

والسؤال المحوري هو: كيف نستعيد أولئك الذين ثاروا على الوضع الراهن، لكنهم في سياق رغبتهم في التغيير، يسعون وراء أهداف مُضللة؟

يتطلب هذا نهجاً مادياً: السكن، والأجور، وظروف العمل، والضمان الاجتماعي، والآفاق المستقبلية. يجب على مناهضة الفاشية أن تُثبت أن سياسات اليمين لا تحل هذه المشاكل بل تُفاقمها، وأن التضامن ليس مجرد شعار اجوف، بل بديل ملموس. يكمن التحدي، في رأيي، في جعل هذا التضامن واقعاً ملموساً.

2 - لا تغفلوا عن العدو الطبقي

يجب ألا تقتصر السياسة المناهضة للفاشية على اليمين المتطرف. فبينما يُفترض أن تتجه الأنظار نحو حزب البديل من أجل ألمانيا، فإن الكتلة البرجوازية المكونة من الاتحاد الديمقراطي المسيحي والحزب الديمقراطي الاجتماعي وحزب الخضر تمضي قدمًا في تحويل الدولة والمجتمع إلى كيان رجعي عسكري: تقليصات اجتماعية، وإعادة تسليح، وتشريعات استبدادية، وقومية اقتصادية، ومعاقبة الأفراد. باختصار: ينشر حزب البديل من أجل ألمانيا الكراهية، وتسن الحكومة القوانين المنسجمة معها.

ما لا يجب ان يحدث: ان التركيز حصراً على حزب البديل من أجل ألمانيا، يحجب التدهور الخطير الذي يحدث حتى في غياب اليمين المتطرف عن الحكومة. وإن التسلح والتحول إلى إنتاج الأسلحة لا يضمنان فرص عمل مستدامة، بل يمهدان الطريق لحروب جديدة. وفي ابتعادنا عن اليمين، لا يجب أن ندافع عن المجتمع الذي نسعى لتغييره. مناهضة الفاشية دون منظور طبقي عاجزة. مناهضة العسكرة دون منظور طبقي عمياء.

3 - إعادة تسيس النقابات العمالية في موقع العمل والمجتمع

للنقابات العمالية دور محوري في هذا السياق. يجب عليها أن تأخذ تفويضها السياسي على محمل الجد مجدداً. فالأزمة لا تقتصر على المشاركة في مفاوضات تحديد الأجور الجماعية فقط، بل تشمل أيضاً الجوانب الاقتصادية والجيوسياسية والاجتماعية، وهي تتطلب حلولاً سياسية. ان إعادة التسيس تعني:

الاستماع لمواقف الأعضاء، وما يحركهم من مخاوف وتناقضات، وعدم تجنب المواجهة، بل الجدية في تنظيم مفاوضات ديمقراطية، وعدم الاستسلام للتفسيرات اليمينية، بل مواجهتها يحجج مقنعة.

لقد لخص هانز يورغن-أوربان، عضو المجلس التنفيذي لنقابة عمال التعدين، الأمر ببراعة ذات مرة: "موقف واضح وباب مفتوح، ولوقف التعبئة اليمينية، نحتاج الى تمكين ديمقراطي في مواقع العمل". إن مندوبي العمال هم مفتاح إعادة تسيس الحركة النقابية لأنهم يربطون المصالح الجماعية بالحياة اليومية في موقع العمل ويمكنهم تحويل المشاكل الفردية إلى قضايا سياسية.

جددوا التنظيم

تتكون الكلمة الصينية للأزمة من "خطر/مجازفة" و"نقطة تحول/فرصة/إمكانية". وهي ترمز إلى أن كل أزمة هي وضع خطير يمثل فرصة ويحمل في طياته إمكانية التغيير.

لن يولد العالم الجديد من تلقاء نفسه، بل سيظهر فقط إذا فهمنا الأزمة كساحة معركة، لا مجرد إدارة التدهور. يجب على النقابات العمالية والسياسات المناهضة للفاشية العمل على الجمع بين المصالح المادية والممارسة الديمقراطية ورؤية مستقبلية قائمة على التضامن. يجب أن يكون الهدف الاستراتيجي هو الاشتراكية المستدامة (كلاوس دوره – عالم اجتماع ماركسي الماني)، والهدف المرحلي هو التحول الاجتماعي البيئي.

إذا فشلنا، فستبقى الوحوش قادرة على الهيمنة. أما إذا نجحنا، فستصبح الأزمة فرصة تاريخية للتجديد المجتمعي.