اخر الاخبار

عيد الصحافة الشيوعية في العراق، تعود البداية إلى صدور صحيفة (كفاح الشعب) في الحادي والثلاثين من تموز عام 1935، والتي منذ صدور العدد الأول منها بوصفها أول صحيفة للحزب الشيوعي العراقي، تم إعلان ولادة صحافة اختارت منذ يومها الأول أن تكون صوتًا للفقراء والكادحين والمثقفين التقدميين، ومنبراً يدافع عن استقلال الوطن وسيادته وكرامة الإنسان، وشكّلت أحد أبرز المنابر الفكرية والسياسية التي أسهمت في ترسيخ قيم الحرية والعدالة الاجتماعية والدفاع عن حقوق الكادحين والمهمشين، فلم تقتصر رسالتها على نقل الأخبار والأحداث، بل حملت مشروعا تنويريا وثقافيا، سعى إلى نشر الوعي وتعزيز الفكر النقدي في مواجهة الاستبداد والظلم.

وعلى امتداد عقود من النضال الإعلامي، واجهت الصحافة الشيوعية ظروفا بالغة الصعوبة، من الملاحقة والمصادرة إلى إغلاق الصحف واعتقال الصحفيين والكتاب، إلا أنها استطاعت أن تواصل حضورها، مستندة إلى إيمان راسخ بحرية الكلمة ودورها في بناء مجتمع أكثر عدالة وتحت شعار الحزب من أجل وطن حر وشعب حر.

وطيلة 91 عاماً من عمرها، خرّجت الصحافة الشيوعية العراقية أجيالًا من الصحفيين والكتّاب والمثقفين الذين تركوا بصمات واضحة في المشهد الثقافي والإعلامي، وأسهموا في الدفاع عن قضايا الوطن والديمقراطية وحقوق الإنسان، لتصبح مدرسة مهنية وفكرية خرّجت أقلاما عُرفت بالنزاهة والجرأة والالتزام.

واليوم، لا تزال تجربتها تمثل مصدر إلهام للمناضلين والمثقفين، لما حملته من قيم التضحية والمهنية والاستقلالية، ولما قدمته من نموذج يربط بين الكلمة الحرة والمسؤولية الوطنية. فالتاريخ يشهد أن الصحافة الملتزمة بقضايا الشعب تبقى حاضرة في الذاكرة الوطنية، مهما تعاقبت الظروف وتبدلت الأزمنة.

إن استذكار هذه التجربة ليس مجرد استعادة لمرحلة من تاريخ الصحافة العراقية، بل هو تأكيد على أن الكلمة الحرة كانت وستظل أحد أهم أدوات التغيير والدفاع عن قيم الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.

ان الذكرى 91 للصحافة الشيوعية في العراق، تعتبر مناسبة وطنية وثقافية تستدعي استذكار واحدة من أعرق التجارب الصحفية في تاريخ البلاد، كونها أسهمت في ترسيخ ثقافة التنوير والوعي الديمقراطي، رغم كل ما واجهته من قمع واستهداف عبر مختلف المراحل.

لقد تعاقبت عشرات الصحف والمجلات والنشرات الشيوعية، العلنية منها والسرية، وخلال الكفاح المسلح في حركة الأنصار الشيوعيين في كردستان، وفي مقدمتها صحيفة (طريق الشعب) التي أصبحت أحد أبرز العناوين في الصحافة العراقية، محافظةً على حضورها ودورها في الدفاع عن الديمقراطية والحريات العامة وحقوق المواطنين.

وقد دفعت هذه الصحافة ثمن مواقفها الوطنية؛ وقد ارتقى عدد من الصحفيين والإعلاميين الشيوعيين سلم المجد، وسقطوا شهداء وهم يؤدون رسالتهم في مواجهة الاستبداد والدفاع عن حق الشعب في الحرية. ومع ذلك، بقيت الكلمة الحرة أقوى من محاولات إسكاتها، واستمرت الصحافة الشيوعية في أداء رسالتها بإيمان راسخ بأن حرية التعبير ركيزة أساسية لبناء دولة ديمقراطية عادلة.

واليوم، ونحن نحيي ذكرى انطلاقها، فإننا لا نستذكر تاريخ صحيفة أو مؤسسة إعلامية فحسب، بل نستحضر مسيرة وطنية امتدت عبر أكثر من تسعة عقود، قدّمت خلالها نموذجا للصحافة الملتزمة بقضايا الشعب، والمؤمنة بأن الحقيقة لا تُساوَم، وأن الكلمة الحرة تبقى سلاحاً في مواجهة الظلم والفساد والاستبداد.

إن هذه المناسبة تمثل فرصة لاستذكار تضحيات من رحلوا وهم يحملون رسالة الصحافة الحرة، وفاءً للوطن والشعب.

وستظل الصحافة الشيوعية في العراق منارةً للفكر التقدمي، وملهمةً للمناضلين والمثقفين، ورمزًا لصمود الكلمة الحرة التي لم تنحنِ أمام القمع، بل بقيت شاهدةً على أن الصحافة، عندما تنحاز إلى الشعب، تكتب تاريخًا لا تمحوه السنوات.

المجد لرواد الصحافة الشيوعية العراقية، والوفاء لشهدائها، والتحية لكل الأقلام الحرة التي جعلت من الحقيقة رسالة، ومن الصحافة موقفًا، ومن الوطن بوصلتها التي لا تحيد.